7.188
قوله تعالى: ﴿ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله ﴾؛ قال ابن عباس: (وذلك أن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلوا فنشتريه ونربح فيه، وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل عنها إلى ما أخصب، فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: قل يا محمد لا أقدر على نفع أجره إلى نفسي، ولا على ضر أدفعه عن نفسي إلا ما شاء الله أن يملكني بالتمكين من ذلك.
قوله تعالى: ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾؛ أي لو كنت أعلم جدوبة الأرض وقحط المطر لادخرت من السنة المخصبة للسنة الجدبة، ﴿ وما مسني السوء ﴾؛ الفقر. وقيل: معناه: لو كنت أعلم متى أموت لبادرت بالأعمال الصالحة قبل اقتراب الأجل، فلم أشتغل بغيرها ولا بي جنون ولا آفة كما يقولون.
وقيل: معناه: لو كنت أعلم متى الساعة لبادرت بالجواب عن سؤالكم، فإن المبادرة إلى جواب السائل تكون استكثارا من الخير وما مسني التكذيب منكم. وقوله تعالى: ﴿ إن أنا إلا نذير وبشير ﴾؛ أي ما أنا إلا معلم بموضع المخافة ليتقى ولموضع الأمن ليختار، ﴿ لقوم يؤمنون ﴾؛ بالبعث.
7.189-190
قوله تعالى: ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾؛ أي نفس آدم، ﴿ وجعل منها زوجها ﴾؛ أي خلق حواء من ضلع من أضلاعه، ﴿ ليسكن إليها ﴾؛ أي ليطمئن إليها ويستأنس بها ويأوي إليها لقضاء حاجته منها، ﴿ فلما تغشاها ﴾؛ أي جامعها، ﴿ حملت ﴾؛ ماءه، ﴿ حملا خفيفا فمرت به ﴾؛ فاستمرت بذلك الماء؛ أي قامت وقعدت كما كانت تفعل قبل وهي لا تدري أنه حبل أم لا، ولم تكترث بحملها، يدل عليه قراءة ابن عباس: (فاستمرت به). وقال قتادة: (معنى ﴿ فمرت به ﴾ استبان حملها) وقرأ يحيى بن يعمر: (فمرت به) مخففا من المرية؛ أي شكت أحملت أم لا.
قوله تعالى: ﴿ فلمآ أثقلت دعوا الله ربهما ﴾؛ أي لما كبر الولد في بطنها وتحرك وصارت ذات ثقل بحملها وشق عليها القيام، أتاها إبليس في صورة رجل، فقال: يا حواء ما هذا في بطنك؟ قالت: ما أدري، قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، وذلك أول ما حملت، فقالت ذلك لآدم عليه السلام، فلم يزالا في هم من ذلك.
ثم عاد إبليس إليها فقال: يا حواء أنا من الله بمنزلة! فإن دعوت الله ربي إنسانا تسميه بي؟ قالت: نعم، قال: فإني أدعو الله، وكانت هي وآدم يدعوان الله، ﴿ لئن آتيتنا صالحا ﴾؛ ولدا حسن الخلق صحيح الجوارح مثلنا، ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾؛ لك في هذه النعمة، ﴿ فلمآ آتاهما صالحا ﴾؛ سويا صحيحا أتاها إبليس فقال لها: عهدي! قالت: ما اسمك؟ قال: الحرث ولو سمى نفسه فقال عزرائيل لعرفته، ولكنه تسمى بغير اسمه فسمته: عبد الحرث، ورضي آدم فعاش الولد أياما حتى مات.
وهذا لا يصح؛ لأن حواء وإن لم تكن نبية فهي زوجة نبي، وفي الآية ما يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ جعلا له شركآء فيمآ آتاهما ﴾؛ ومثل هذه القبائح لا يصح إضافتها إلى الأنبياء، ولأن الله تعالى قال: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾؛ ولأن الواحد منا لو أتاه من يبعثه على أن يسمي ولده عبد شمس أو عبد العزى أو نحو هذا، لم يقبل ذلك، ولو أمكنه أن يعاقبه على ذلك فعل، فكيف يجوز مثل هذا على آدم؟ وقد رفع الله قدره بالنبوة.
وقال الحسن: (معناه: إن الله خلق حواء من ضلع آدم وجعلها سكنا له، وكذلك حال الخلق مع أزواجهم، كأنه قال: وجعل من كل نفس زوجها، كما قال في آية أخرى
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا
[الروم: 21].
قال الحسن: (انقضت قصة آدم عند قوله ﴿ ليسكن إليها ﴾ ثم أخبر الله عن بعض خلقه أنه تغشى زوجته فحملت حملا خفيفا فمرت به، فلما أثقلها ما في بطنها دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنشكرنك، فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء بعملهما الذي عملاه بأن هوداه أو نصراه أو مجساه؛ أي علماه شيئا من الأديان الخبيثة التي يدعو إليها إبليس، ولهذا أعظم الله شأنه في آخر الآية فقال (فتعالى الله عما يشركون)، ولو كان المراد بالآية آدم وحواء لقال: عما يشركان).