وكان صالح عليه السلام لا ينام في القرية، وكان له مسجد خارج القرية يقال له: مسجد صالح يبيت فيه، فإذا أصبح أتاهم ووعظهم، فإذا أمسى خرج إلى المسجد. فانطلقوا ودخلوا الغار، فلما كان بالليل سقط عليهم الغار فقتلهم، فلما أصبحوا رآهم رجل فصاح في القرية فقال: ما رضي صالح حتى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة).
وقال ابن إسحاق: (إنما اجتمع التسعة الذين عقروا الناقة، فقالوا: هلم لقتل صالح، فإن كان صادقا فأعجلنا قتله، وإن كان كاذبا ألحقناه بناقته. فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة).
وقال بعضهم: انطلق قدار ومصدع وأصحابهما التسعة، فرصدوا الناقة حين صدرت على الماء، وقد كمن بها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل صخرة أخرى، فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، ثم خرج قدار فعقرها بالسيف، فجرت ترغو، ثم طعنها في لبتها ونحرها، وخرج أهل البلد واقتسموا لحمها. فلما رآها سقبها على ذلك، هرب يرغو فرغا ثلاثا ودموعه تنحدر حتى أتى الصخرة التي خلق منها، فانفتحت له فدخلها.
فبلغ صالحا عليه السلام عقر الناقة، فأقبل إليهم، فجعلوا يعتذرون إليه ويقولون: إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا.
فقال صالح: أنظروا؛ هل تدركون سقبها؟ فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب. فخرجوا في طلبه فلم يجدوه، فقال صالح: يا قوم؛ لكل دعوة أجل؛ يا قوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب.
وقال ابن إسحاق: (عقروا الناقة وسقبها، وألقوا لحمه ولحم أمه، فقال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته. فقالوا له: وما علامة ذلك؟ قال: تصبحون غدا وجوهكم مصفرة، وبعد غد محمرة، وبعد ذلك مسودة. وكانوا عقروها يوم الأربعاء.
فأصبحوا يوم الخميس كأن وجوههم طليت بزعفران؛ صغيرهم وكبيرهم؛ وذكرهم وأنثاهم، فأيقنوا بالعذاب، وعلموا أن صالحا قد صدق، فطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم واختفى في موضع فلم يجدوه، فجعلوا يعذبون أصحابه الذين آمنوا منهم ليدلوهم عليه.
فلما أصبحوا يوم الجمعة أصبحت وجوههم محمرة كأنها خضبت بالدماء؛ فصاحوا بأجمعهم وضجوا وبكوا، وعرفوا أن العذاب قد دنا إليهم، وجعل كل واحد منهم يخبر الآخر بما يرى في وجهه. ثم أصبحوا يوم السبت وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار والنيل، فصاحوا جميعا: ألا قد حضر العذاب.
فلما أصبحوا يوم الأحد، خرج المسلمون إلى صالح عليه السلام، فمضى بهم إلى الشام، فلما اشتد الضج يوم الأحد، أتتهم صيحة من السماء عظيمة، فيها صوت كل صاعقة، فانفطرت قلوبهم في صدورهم وتقطعت، فلم يبق منهم كبير ولا صغير إلا هلك، كما قال الله تعالى:
إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر
[القمر: 31].
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما؛ قال:
" لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر في غزوة تبوك - يعني مواضع ثمود - قال لأصحابه: " لا يدخلن أحد منكم هذه القرية إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم " ثم قال: " لا تسألوا رسولكم الآيات، فإن هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله إليهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج؛ وتصدر من هذا الفج؛ فتشرب ماءهم يوم ورودها " وأراهم مرتقى الفصيل حين ارتقى، ثم أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير حتى جاوزوا الوادي ".
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أنه قال لعلي رضي الله عنه: " أتدري من أشقى الأولين؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: " عاقر الناقة ". ثم قال: " أتدري من أشقى الآخرين؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: " قاتلك! " ".