تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

71.27

قوله تعالى: ﴿ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ﴾؛ أي إنك إن تتركهم على وجه الأرض ولا تهلكهم يضلوا عبادك عن دينك، ﴿ ولا يلدوا إلا فاجرا ﴾؛ أي خارجا عن طاعتك، ﴿ كفارا ﴾؛ لنعمك، أخبر الله تعالى نوحا عليه السلام أنهم لا يلدون مؤمنا أبدا.

71.28

قوله تعالى: ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ﴾؛ يعني أباه لامك بن متوشلخ، وأمه شخماء بنت أنوش، وكانا مؤمنين، ولذلك استغفر لهما، وقوله تعالى: ﴿ ولمن دخل بيتي مؤمنا ﴾؛ أراد ببيته هنا السفينة، وقيل: مسجده، وقيل: داره.

وقوله تعالى: ﴿ وللمؤمنين والمؤمنات ﴾؛ عام في كل من آمن وصدق الرسل. وقوله تعالى: ﴿ ولا تزد الظالمين إلا تبارا ﴾؛ والتبار: الهلاك والدمار، ولذلك سمي المكسور متبرا، وقد جمع نوح بين دعوتين، دعوة على الكفار، ودعوة للمؤمنين، فاستجاب الله دعاءه على الكفار فأهلكهم، ونرجو أن يستجيب دعاءه في المؤمنين.

72 - سورة الجن

72.1-3

﴿ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾؛ وذلك أن السماء لم تكن تحرس فيما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما، فلما بعث الله محمدا نبينا حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، فلم يبق صنم إلا خر لوجهه.

فقال إبليس للجن: لقد حدث في الأرض حدث لم يحدث مثله، ولا يكون هذا إلا عند خروج نبي، ففرق جنده في الطلب وأمرهم أن يضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وبعث تسعة نفر من أشراف جن نصيبين إلى أرض تهامة، وكان رئيسهم يسمى عمروا، فلما انتهوا إلى بطن نخلة وجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بأصحابه صلاة الفجر.

فلما سمعوا القرآن رقت له قلوبهم، ودنا بعضهم من بعض حبا للقرآن حتى كادوا يتساقطون على النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فذلك قوله تعالى:

وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن

[الأحقاف: 29] فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى قومهم منذرين، ولم يأتوا إبليس.

وقالوا لقومهم: ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾ أي بليغا ذا عجب يعجب من بلاغته وحسن نظمه، ﴿ يهدي إلى الرشد ﴾؛ أي يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان، ﴿ فآمنا به ﴾؛ وصدقنا به أنه من عند الله، ﴿ ولن نشرك بربنآ أحدا ﴾؛ من بعد هذا اليوم، كما أشرك إبليس.

" فاستجاب لهم جماعة من الجن فجاءوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأقرأهم القرآن فآمنوا به، وقالوا: يا رسول الله إن الأرض بيننا وبينك حجل ليس لنا فيه شيء، فقال صلى الله عليه وسلم: " لكم الروث وكل أرض سبخة تنزلون بها تكون مكلبة لكم، ولكم العظم، وكل عظم مررتم عليه تجدون عليه اللحم حيث يكون " ".

ثم يكره أن يستنجى بالعظم والروث. ثم انصرفت الجن عنه، فأوحى الله إليه بهذه الآيات لبيان أن الجن لما ظهر لهم الحق اتبعوه، فالإنس أولى بذلك لأنهم ولد آدم، فكان المخالف منهم ألوم.

ومعنى الآية: قل يا محمد لأهل مكة: أوحي إلي أنه استمع إلى القرآن طائفة من الجن، فلما رجعوا إلى قومهم قالوا: يا قومنا ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا ﴾ بعد هذا اليوم؛ أي لا نتبع إبليس في الشرك، ﴿ وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ﴾؛ هذا من قول الجن لقومهم، معطوف على قوله ﴿ إنا سمعنا قرآنا عجبا ﴾ وإنه تعالى جد ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا، وهذا كما يقال: فلان أعظم وأجل من أن يفعل كذا وكذا، فالجد: العظمة، وقال الحسن: (معنى الجد في هذه الآية الغنى) ومنه قولهم في الدعاء:

" ولا ينفع ذا الجد منك الجد "

أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه.

التفسير الكبير · الصفحة ٢٠٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٢٠٧٢