يقررون أن المقلد في عقيدته مختلف في صحة إيمانه، وإننا نذكر هنا عبارته مع
الإشارة إلى بطلانها بالإيجاز استطرادا.
قال في أول الصفحة 13 من السنة الثانية من جريدة الإسلام:
(يتمسك كثير من الناس بظواهر الآيات وهو غلط فاحش يؤدي إلى الكفر،
وقد قال لي قائل: يجب اعتقاد أن الله في السماء فإنه يقول: {أأمنتم من في
السماء} (الملك: 16) إلخ فمن لم يعتقد ذلك فهو كافر، فقلت له: إن من يعتقد
ذلك على ظاهره فهو الكافر) .
هذا نص عبارته بحروفها، لم ننقلها كما ينقل أقوالنا بحسب ما يزعم من
معانيها مع تحريفها، وإننا لم يبلغنا أن أحدا من مبتدعة هذه الأمة ولا من أهل
الكتاب تجرأ على مثل هذا القول في كتاب ربه، فزعم أن المؤمن به على ظاهره
هو الكافر به، أي دون من يحرفه أو يتأوله برأيه أو تقليده ولو لبعض أدعياء العلم.
نعم إنه علل زعمه أن المؤمن بظاهر القرآن هو الكافر بقوله: (فإنه جعل لله
ظرفا يحيط به، ومكانا يستقر فيه، ومن اعتقد ذلك فيه، فقد شبهه بخلقه، ومن
شبهه بخلقه فهو كافر) وهذا الاستدلال باطل من وجوه أكتفي منها في هذا
الاستطراد من ناحية اللغة بأن لفظ السماء في أصل اللغة: ما علاك، ولا يلزم أن
يكون ظرفا ولا مكانا، بل المعلوم من جملة الآيات أن المراد بالسماء في هذا المقام
إما العلو المطلق، وإما العرض الذي هو أعلاها، واستواؤه تعالى على عرشه
يقتضي أنه فوقه بالمعنى اللائق به، وأنه فوق جميع خلقه بائن منهم حيث لا مكان
ولا زمان ﴿والله من ورائهم محيط﴾ (البروج: 20) .
وأكتفي من جهة العقيدة بأن الإيمان بظاهر القرآن واجب بالإجماع فإن أو هم
تشبيها جزمنا بأن التشبيه غير ما ورد بدليل العقل والنقل، وفوضنا الأمر في كيفية
ذلك وتأويله أي ما يؤول إليه إلى الله عز وجل، لقوله: {والراسخون في العلم
يقولون آمنا به كل من عند ربنا} (آل عمران: 7) وهو ما كان عليه سلف الأمة
من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث والفقه المجتهدين، وكل مسلم يعتقد أن ربه
وخالقه منزه عن مشابهة عبيده المخلوقين، ولا يحتاج إلى تأويل كلامه برأيه
كالملاحدة أو المبتدعين، ولازم المذهب ليس بمذهب، على أن اللزوم هنا ممنوع،
وناهيك بمنعه في باب التكفير.
وإذا كان من يؤمن بحقيقة الآية ويتأول ظاهرها المشكل عنده بما يعطيه
أسلوب اللغة لا يكون كافرا، ولكنه إذا خالف فيه المأثور عن السلف يكون مخطئا
أو مبتدعا، وإذا أطلق العنان لكل متأول تتفرق الأمة شيعا، فكيف يحكم بكفر
المؤمن بالظاهر المأمور به في ضمن الإيمان بكتاب ربه، ومقتضى إيمانه بالظواهر
أن يكون منزها له عن التمثيل بخلقه؟
وجملة القول أن تكفير هذا الدعي في نسب العلم لمن يؤمن بظاهر الآيات
المتشابهات، وهو تكفير لسلف الأمة من الصحابة والتابعين وحفاظ الحديث والأئمة
المجتهدين، وهو عين ما يتهم هو به أئمة المحدثين، ومن بعدهم من السلفيين، ولا
شبهة له إلا دعوتهم الناس إلى اتباع ما أنزل الله، وما بينه به رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولكنه لا يفهم ذلك ولا يعقله؛ لأنه لا يفهم القرآن ولا لغته، ولا يعلم
ما ورد من بيان السنة له، ولا آثار السلف الصالح في عقائد الملة، فعلم منه أن ما
كفرهم به هو صحيح الإيمان، وأن ما يدعو الناس إليه هو عين الكفر والابتداع،
فإن كان معذورا بالجهل، فعليه أن يتوب إلى الله تعالى بعد ما هديناه إليه من العلم،
وآية التوبة أن ينشر هذه الحقيقة في المجلتين اللتين يبث فيهما دعوته إلى ترك
الناس عقائد القرآن وهداية السنة.
* * *
ثم أعود إلى بيان بقية الشواهد على جهله بالاصطلاحات العلمية فأقول:
(الشاهد الثاني) في سؤاله إياي هل أريد أن أقول: إن الشيخ محمد عبده
كان مجتهدا يأخذ من الكتاب والسنة وقد رميته بالجهل بالسنة - إلى قوله - (وهل
يرى صاحب المنار أن الجهل بالسنة لا ينافي الاجتهاد) ؟