لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم إذا كنت راضية عني وإذا كنت
علي غضبى، فقلت: من أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنت عني راضية فإنك
تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم! قلت: أجل،
والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك) .
وكان هذا الحب الطبعي الذي تعددت أسبابه أعظم دليل على عدله صلى الله
عليه وسلم بين أزواجه، فهو لم يكن يفضلها على أقلهن مزايا في الخلق والخلق
والذكاء والنسب بشيء من النفقة أو المبيت أو حسن العشرة، ولذلك كان يقول في
قسمه بينهن بالعدل: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) [14]
يعني الحب ولوازمه الطبيعية غير الاختيارية، وما ابتلي الرجال بشيء أبعث
على الجور والمحاباة كفتنة حب النساء؛ فإن الرجل الضعيف الدين والإرادة ليظلم
أولاده ونفسه مرضاة لمن يحبها ولو أجنبية فكيف لا يظلم ضرتها؟
34- تغاير نسائه صلى الله عليه وسلم
وتحزبهن ومناشدتهن إياه العدل
لما كان من طباع البشر أن العدل بينهم يغريهم بالمطالبة بأكثر من حقوقهم،
والظلم يسكتهم على ما دونها ولا سيما النساء، ورأى نساء النبي صلى الله عليه
وسلم أنه لا يفضل إحداهن على غيرها بشيء ما، إلا أن الناس يتحرون بهداياهم له
يوم عائشة - رأين أن في هذا هضما لحقوقهن وكرامتهن، وإن كان هذا الهضم ليس
من فعله صلى الله عليه وسلم وكان ينالهن من الهدايا كلهن فطالبنه بإنصافهن،
وأغلظن في المطالبة وألحفن حتى أسكتهن بما يكرهن.
قالت عائشة: إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين، فحزب
فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء النبي
صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه
وسلم عائشة، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث
صاحب الهدية بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فكلم حزب
أم سلمة (أم سلمة) فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس
فيقول من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهدها إليه حيث
كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لهن شيئا، فسألنها فقالت: ما
قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه، قالت: فكلمته حين دار إليها أيضا فلم يقل لها شيئا،
فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته
فقال لها: (لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة)
قالت فقلت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول:
(إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: يا بنية ألا تحبين ما
أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع،
فأرسلن زينب بنت جحش فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت
أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها، حتى أن رسول الله
لينظر إلى عائشة هل تكلم؟ فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت:
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة وقال: إنها بنت أبي بكر) [15] يعني أنها
مثل أبيها في الذكاء والعقل والحجة.
ورواية مسلم عنها: (أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه
وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها فقالت: يا رسول الله إن أزواجك
أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة - وأنا ساكتة - فقال لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم: أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، قال: فأحبي
هذه، فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن: ما