ولو ترك واحدة فقط لما كانت تغني في الأمة غناء التسع.
ولو كان صلى الله عليه وسلم أراد بتعدد الزواج ما يريده الملوك والأمراء من
التمتع بالحلال فقط لاختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات المكتهلات منهن، كما
قال لمن استشاره في التزوج بامرأة ثيب: (هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك) وفي
رواية زيادة (وتضاحكها وتضاحكك) وهو من حديث جابر في الصحيحين.
وأذكر القارئ بأن تعدد الزوجات في ذلك العصر كان من الضروريات لكثرة
القتلى من الرجال وحاجة نسائهم إلى من يكفلهن؛ لأن أكثر أهلهن من المشركين،
فالمصلحة فيه للنساء لا للرجال إما بالكفالة والنفقة، وإما بالشرف والتكرمة؛ ولذلك
كن يسعين أو يسعى الآباء أو غيرهن من الأقربين لمن يقتل زوجها أو يموت بكفؤ
يتزوجها وإن كان له زوج أو أزواج غيرها كما فعل عمر بعرض بنته حفصة على
أبي بكر وعمر.
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان النساء يعرضن أنفسهن عليه، كما
يعرضهن بعض أولي القربى منهن، وسيأتي بعض الروايات في ذلك، فهل يتصور
أحد أن تعدد الزوجات كان في ذلك العهد هضما لحقوقهن، وقد أعطاهن الإسلام من
الحقوق والتكريم ما أعطاهن، وناهيك بشرف التزوج برسول الله صلى الله عليه
وسلم وسيأتي ما يؤيد ذلك كله.
33- سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في معاشرة نسائه
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الكامل والأسوة الحسنة للرجال في
حسن معاشرة أزواجه بالمعروف، والقسمة بينهن بالعدل في كل من المبيت والنفقة
واللطف والتكريم، وفي احتمال غضبهن وغيرتهن، وتنازعهن بالأناة والرفق
والموعظة الحسنة، وكان يزورهن كلهن صباحا للوعظ والتعليم، ومساء للمجاملة
والمؤانسة، وكن يجتمعن معه في بيت كل منهن، وكان يخدم في بيته ويقضي
حوائجه بيده، قالت عائشة: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة
له ولا خادما قط) [7] (وسئلت: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟
قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة) [8] ولها
أحاديث أخرى مفصلة في خدمته في بيته وقيامه بحاجة نفسه، ومن وصفها له:
(كان ألين الناس وأكرم الناس، وكان رجلا من رجالكم إلا أنه كان بساما) [9] .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر ضرب القرعة بينهن، إذ لا يمكن
السفر بهن كلهن، وترجيح إحداهن يسخط سائرهن، وإن كان فيها من المرجحات
ما يقتضي الترجيح، إذا لا يتساوى النساء في استعدادهن للسفر ومشقاته؛ ولكنه
لما حج أخذهن كلهن معه.
ولما مرض مرضه الأخير شق عليه أن ينتقل بين بيوتهن كل يوم كما كان
يفعل في حال صحته، فكان يسأل (أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟) يريد يوم عائشة،
فأذن له أزواجه كلهن أن يكون حيث شاء، فاختار بيت عائشة وفيه توفي [10] .
وروي عنها أنه بعث في مرضه إلى نسائه فاجتمعن فقال: (إني لا أستطيع
أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذن لي أن أكون عند عائشة، فأذن له) [11] ومن
حكمة ذلك أن يدفن في بيتها، وقد كان صرح بأنه يدفن حيث يموت.
ولما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة تبغي رضاء رسول
الله صلى الله عليه وسلم عنها [12] وفي رواية عنها: (كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا
وهو يطوف علينا جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ التي هو
يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت، أي: خافت
أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل
رسول الله ذلك منها) [13] .
وقد كان لعائشة بنت الصديق رضي الله عنهما من قلب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما لم يكن لأحد من نسائه بعد خديجة رضي الله عنها، فكانت الحبيبة
بنت الحبيب، وكانت هي أكثرهن إدلالا عليه، وفي الصحيحين عنها قالت: قال