في غزوة خيبر، فأخذها دحية في سهمه، فقال أهل الرأي من الصحابة: يا رسول
الله إنها سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك، فاستحسن رأيهم وأبى أن تذل
هذه السيدة بالرق عند من تراه دونها، فاصطفاها وأعتقها وتزوجها، كراهة لرق
مثلها في نسبها وقومها، ووصل سببه ببني إسرائيل لعله يخفف مما كان من
عداوتهم له، وروى الإمام أحمد أنه خيرها أن يعتقها وتكون زوجته أو يلحقها بأهلها،
فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، وكان بلال قد مر بها وبابنة عم لها على قتلى
اليهود فصكت ابنة عمها وجهها وحثت عليه التراب وهي تصيح وتبكي، فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم: (أنزعت الرحمة من قلبك حتى تمر بالمرأتين على
قتلاهما) رواه ابن إسحاق، وفي حديث الترمذي أن صفية بلغها أن عائشة وحفصة
قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى)
وقد لقبتها زينب مرة باليهودية احتقارا لها، فهجرها النبي صلى الله عليه وسلم
شهرا كاملا عقوبة لها، فتأمل هذه الشمائل المحمدية والتربية الإسلامية، روى
عنها ابن أخيها وموليان لها وعلي بن الحسن بن علي عليهم السلام وغيرهم.
8- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموية رضي الله عنها:
وفي سنة ست أو سبع تزوج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموي أشد أعدائه
تحريضا عليه وحربا له صلى الله عليه وسلم، وكان قومه بنو عبد شمس أعداء
بني هاشم قوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان تزوجه بها تأليفا له ولقومه، وقد
كانت أسلمت بمكة وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصر
زوجها هنالك وفارقها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها له
وأصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا نفيسة، ولما عادت إلى المدينة بنى بها،
ولما بلغ أبا سفيان الخبر قال: هو الفحل لا يقذع أنفه، فهو لم ينكر كفاءته صلى الله
عليه وسلم، بل افتخر به؛ ولكنه ما زال يقاتله حتى يئس بفتح مكة، وكان من
تأليفه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أن قال: (من دخل المسجد الحرام فهو آمن،
ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) وقد آمن يومئذ رياء وتقية، ثم كان من تأليفه
له صلى الله عليه وسلم بعد غزوة حنين أن أعطاه غنيمة هوازن مائة ناقة، فهذا
التأليف بعد التأليف لأبي سفيان يدل على أن تزوجه صلى الله عليه وسلم ببنته كان
لمثل ذلك على أن تركها أرملة مهينة بعد مصابها بتنصر زوجها وعداوة أبيها وأمها
لم يكن يهون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عنها ابنتها وأخواها وابن
أخيها أو ابن أختها ومولياها وآخرون.
9- ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها:
وفي أواخر سنة سبع تزوج ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية وكان اسمها
برة فسماها ميمونة، وكان ذلك في إبان عمرة القضاء وهي آخر أزواجه أمهات
المؤمنين زواجا وموتا كما في بعض الروايات، وقد قالت فيها عائشة: أما إنها
كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم. ولم أقف على سبب ولا حكمة خاصة لتزوجه
بها؛ ولكن ورد أن عمه العباس رغبه فيها وهي أخت زوجه لبابة الكبرى أم الفضل
وهو الذي عقد له عليها بإذنها، ولولا أن العباس رأى في ذلك مصلحة عظيمة لما
عني به كل هذه العناية لإرضاء امرأته، روى عنها أبناء أخواتها ومواليهم
وآخرون أجلهم ابن عباس.
وجملة القول: إنه صلى الله عليه وسلم راعى المصلحة في اختيار كل زوج من
أزواجه عليهن الرضوان في التشريع والتأديب والمودة والتأليف وكفالة الأرامل
والأيتام، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلم أتباعه احترام النساء وإكرام
كرائمهن والعدل بينهن، وقرر الأحكام بذلك وترك من بعده تسع أمهات للمؤمنين
يعلمن نساءهم من الأحكام ما يليق بهن مما ينبغي أن يتعلمنه من النساء دون الرجال،