تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خطباها بعد وفاته من جرح أصابه في غزوة أحد فلم تقبل، وعزاها النبي صلى الله

عليه وسلم عنه بقوله: (سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك ويخلفك خيرا) فقالت:

ومن يكون خيرا من أبي سلمة؟ فلم ير لها عزاء ولا كافلا لها ولأولادها ترضاه

غيره صلوات الله تعالى عليه وعلى آله، ولما خطبها لنفسه اعتذرت بأنها مسنة وأم

أيتام وذات غيرة، فأجاب صلى الله عليه وسلم بأنه أكبر منها سنا، وبأن الغيرة

يذهبها الله تعالى، وبأن الأيتام إلى الله ورسوله، فاجتمع لها من الفضائل: النسب

الشريف، والبيت الكريم، والسبق إلى الإسلام، وعلو الأخلاق ولا سيما الوفاء

وكفالة اليتيم، وكل منها سبب صحيح لاختيار صاحب الخلق العظيم المبعوث لإتمام

مكارم الأخلاق لهذه المرأة الفضلى أن تكون من أزواجه الطاهرات، وأمهات

المؤمنين ومعلمات المؤمنين.

على أن لها فوق ذلك فضيلة أخرى هي جودة الفكر وصحة الرأي، وحسبك

من الشواهد على هذا استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لها في أهم ما حزنه

وأهمه من أمر المسلمين في مدة البعثة، وما أشارت به عليه، ذاك أن الصحابة

رضي الله عنهم كان قد ساءهم صلح الحديبية الذي عقده صلى الله عليه وسلم مع

المشركين على ترك الحرب عشر سنين بالشروط المعلومة التي تدل في ظاهرها

على أن المسلمين مغلوبون، ولم يكونوا بمغلوبين وإنما حبه صلى الله عليه وسلم

للسلم ولاختلاط المسلمين بالمشركين - وكان دونه خرط القتاد - وكراهته للحرب

التي أكرهه المشركون عليها بعداوتهم - هما اللذان حببا إليه قبول شروطهم لهم في

الصلح، وكان من أثر استياء المسلمين من شروطهم أن أمرهم صلى الله عليه وسلم

بالتحلل من عمرتهم بالحلق أو التقصير لأجل العود إلى المدينة، فلم يمتثل أمره أحد،

ولم يقع مثل هذه المخالفة من قبل ولا من بعد، فلما استشارها رضي الله عنها في

ذلك وقال: (هلك الناس) هونت عليه الأمر، وأشارت عليه بأن يخرج إليهم

ويحلق رأسه وجزمت بأنهم لا يلبثون أن يقتدوا به؛ لأنهم يعلمون أنه صار أمرا لا

مرد له، ولأن تأثير العمل في القدوة أقوى من تأثير القول وحده، وكذلك كان،

خرج فأمر الحلاق بحلق رأسه، فتنافسوا في التبرك بشعره، وبادروا إلى الاقتداء

به. وكانت من أعلم أزواجه، وروى عنها كثيرون من الرجال والنساء، فهي تلي

عائشة في كثرة الرواية والعلم وتفضلها في الروية والرأي.

6- جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:

وفي سنة خمس تزوج برة بنت الحارث سيد بني المصطلق وسماها جويرية،

وكان أبوها هو وقومه قد ساعدوا المشركين على المؤمنين في غزوة أحد سنة أربع،

ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجمع الجموع لقتاله، فخرج فالتقى الجمعان

في المريسيع وهو ماء لخزاعة، فأحاط بهم المسلمون وأخذوهم أسرى بعد قتل

عشرة منهم، وكانت برة بنت سيدهم في الأسرى، فكاتب عليها من وقعت في

سهمه [6] ، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فتعرفت إليه بأنها بنت سيد قومها،

وذكرت لها سبيها واستعانته على كتابتها لتحرير نفسها، فقال: (أو خير من ذلك؟

أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك) قالت: نعم، ففعل، فقال المسلمون: أصهار رسول

الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقوا جميع الأسرى والسبايا فأسلموا كلهم، فكانت أعظم

امرأة بركة على قومها، وكان لهذا العمل أحسن التأثير في العرب كلها، وروي أن

أباها جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن بنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها،

فأمره صلى الله عليه وسلم أن يخيرها فسر بذلك، فخيرها فاختارت الله ورسوله،

وكانت من أعبد أمهات المؤمنين، وروى عنها ابن عباس وجابر وابن عمر

وعبيد بن السباق وابن أختها الطفيل وغيرهم.

7- صفية بنت حيي الإسرائيلية رضي الله عنها:

وفي سنة ست تزوج صفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية من ذرية نبي الله

هارون أخي موسى عليهما السلام، كانت من بني النضير وأسرت بعد قتل زوجها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٠٣