وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى الزهرة قال: (لا مرحبا ولا أهلا). وعن ابن عباس: أن المرأة التي فتنت هاروت وماروت مسخت، فهي هذا الكوكب الحمراء. يعني الزهرة.
وأنكر الآخرون هذا؛ وقالوا: إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي أقسم الله تعالى بها؛ فقال:
فلا أقسم بالخنس
[التكوير: 15] وإنما المرأة التي فتنت هاروت وماروت كان اسمها زهرة من جمالها؛ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين؛ فلعنها. وكذلك سهيل كان رجلا عشارا باليمن فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم ذكره؛ فلعنه؛ والله تعالى أعلم.
قال المفسرون: فلما أمسى هاروت وماروت بعدما أصابا الذنب هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حل بهما، فقصدا إدريس النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه بأمرهما وأمراه أن يشفع لهما؛ وقالا: إنا رأيناك يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض، فاشفع لنا إلى ربك؟ ففعل إدريس؛ فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا؛ إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذبان.
واختلف العلماء في عذابهما؛ فقال ابن مسعود: (هما معلقان بشعورهما إلى يوم القيامة). وقال قتادة: (كبلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما). وقال مجاهد: (أن جبا مليت نارا فجعلا فيها). وقيل: معلقان منكسان بالسلاسل. وقيل: منكوسان يضربان بسياط الحديد.
وروي أن رجلا أراد تعلم السحر فقصدهما؛ فوجدهما معلقين بأرجلهما؛ مزرقة أعينهما؛ مسودة وجوههما؛ ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع وهما معذبان بالعطش؛ فلما رأى ذلك هاله مكانهما؛ فقال: لا إله إلا الله. فلما سمعا كلامه، قالا: من أنت؟ قال: رجل من الناس. قالوا: ومن أي أمة؟ قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قالا: أوقد بعث محمد؟ قال: نعم. قالا: الحمد لله وأظهرا الاستبشار. وقال الرجل: ومم استبشاركما؟ قالا: إنه نبي الساعة، وقد دنا انقضاء عذابنا.
قوله عز وجل: ﴿ وما يعلمان من أحد ﴾؛ يعني الملكين؛ و ﴿ من ﴾ صلة؛ أي لا يعلمان أحدا السحر، ﴿ حتى ﴾؛ ينصحاه أولا وينهياه و ﴿ يقولا إنما نحن فتنة ﴾ ، ومحنة؛ ﴿ فلا تكفر ﴾ ، بتعلم السحر. يقولان له ذلك سبع مرات. قال السدي وعطاء: (فإن أبى إلا التعلم! قالا له: ائت هذه الرماد فبل عليه؛ فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع في السماء؛ فتلك المعرفة. وينزل شيء أسود حتى يدخل مسامعه يشبه الدخان؛ وذلك غضب الله).
وقوله عز وجل: ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ ﴿ إنما ﴾ وحدها لأنها مصدر؛ والمصدر لا يثنى ولا يجمع مثل قوله:
وعلى سمعهم
[البقرة: 7]. وفي مصحف أبي: (وما يعلم الملكان من أحد). وتعلم السحر لا يكون إثما؛ كمن يقول لرجل: علمني ما الزنا، وما السرقة؟ فيقول: هو كذا وكذا؛ ولكنه حرام فلا تفعله. وهما كانا لا يصفان السحر لأحد حتى يقولا: إنما نحن اختبار وابتلاء للناس؛ فلا تكفر أيها المتعلم؛ أي لا تتعلم للعمل به.
وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل تبغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته لتسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، فلما لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكت حتى رحمتها، وقالت: إني أخاف أن أكون قد هلكت؛ كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كثيرا حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بكن؟ قلت: لنتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فقلت: لا، قالا: إذهبي إلى ذلك التنور؛ فبولي فيه. فذهبت ففزعت ولم أفعل فجئت إليهما، فقالا لي: فعلت؟ فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئا؟ قلت: لا، قالا: كذبت، إنك لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، إنما نحن فتنة فلا تكفري. فأبيت، قالا: إذهبي إلى تلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعر جلدي فرجعت إليهما، فقلت: قد فعلت: قالا: هل رأيت شيئا؟ قلت: لا، قالا: كذبت، لم تفعلي ارجعي إلى بلادك فلا تكفري. فأبيت. قالا: إذهبي إلى تلك التنور فبولي فيه، فذهبت فبلت فيه، فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى لم أره، فجئتهما، فقلت: قد فعلت، فقالا لي: ما رأيت؟ قلت: رأيت فارسا مقنعا بالحديد، خرج مني فذهب في السماء حتى غاب، قالا: صدقت، ذاك إيمانك خرج منك، إذهبي. فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان سقط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين، ما فعلت شيئا قط ولآ أفعله أبدا.