واختلف الفقهاء في حد الاضطرار إلى الميتة فيما يحل للمضطر أكله من الميتة، فقال بعضهم: إنه لا يجوز له الأكل إلا عند خوف التلف في آخر الرمق وهو الصحيح، وقال بعضهم: إذا كان يضعف عن الفرائض. وقال بعضهم: إذا كان بحيث لو دخل إلى سوق لا ينظر إلى شيء سوى المطعوم.
وأما مقدار ما يأكل عند الضرورة فقال أبو حنيفة: (لا يأكل إلا ما يسد رمقه)، وهو أحد قولي الشافعي.؟ وقال مالك: (يأكل حتى يشبع ويتزود منها، فإن وجد شيئا مباحا طرحها). وقال مقاتل: (لا يزيد على ثلاثة لقم).
قوله: ﴿ فلا إثم عليه ﴾ أي فلا حرج عليه في أكلها، ﴿ إن الله غفور ﴾؛ لمن أكل من الحرام في حالة الاضطرار، ﴿ رحيم ﴾؛ به حيث رخص له في ذلك، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ فلا إثم عليه ﴾ تناقض قوله: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾؛ لأن الغفران يقتضي إثبات الإثم؟ قيل: لأنه بالغفران قد يسر بما لولا الإباحة لكانت معصية، وبرحمته جوز عند الضرورة إحياء النفس بتناوله.
2.174
قوله عز وجل: ﴿ إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ﴾ ، نزل في علماء اليهود والنصارى، قال الكلبي: عن أبي صالح عن ابن عباس: (كان علماء اليهود يأخذون من سفلتهم الهداية، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم من غيرهم، خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة، فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ﴾ يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته) ﴿ ويشترون به ﴾؛ أي بالمكتوب، ﴿ ثمنا قليلا ﴾؛ أي عوضا يسيرا؛ يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم، ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾؛ ذكر البطون ها هنا للتأكيد؛ ما يأكلون إلا ما يوردهم النار؛ وهي الرشوة والحرام، ومن الدين والإسلام، فلما كان عاقبته النار سماه في الحال نارا، كقوله تعالى:
إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا
[النساء: 10] يعني أن عاقبته النار، وقال عليه السلام في الذي يشرب في الإناء الذهب والفضة:
" إنما يجرجر في بطنه نار جهنم "
أخبر عن المال بالحال.
قوله عز وجل: ﴿ ولا يكلمهم الله يوم القيامة ﴾؛ أي لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم كما يكلم أولياءه من البشارة والرضا، وأما التهديد فلا بد منه لقوله تعالى:
فوربك لنسألنهم أجمعين
[الحجر: 92]. وقيل: معناه: لا يسمعهم كلام نفسه، بل يرسل إليهم ملائكة العذاب، فيكلمونهم بأمر الله، وإنما أضاف السؤال إلى نفسه؛ لأن سؤال الملائكة بأمره.
قوله تعالى: ﴿ ولا يزكيهم ﴾؛ أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم؛ ولا يثني عليهم خيرا؛ ولا يصلح أعمالهم الخبيثة؛ ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾؛ أي مؤلم.