2.244
قوله عز وجل: ﴿ وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ قال أكثر المفسرين: هذا خطاب لهذه الأمة، معناه: قاتلوا في طاعة الله تعالى ولا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء الذين سمعتم خبرهم، فلا ينفعكم الهرب واعلموا أن الله سميع لما يقوله المنافق بعلمه: الهرب من القتال، عليم بما يضره. وقال بعضهم: هذه الآية خطاب للذين جبنوا، وهي متصلة بقوله تعالى:
فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم
[البقرة: 243] وقال لهم: ﴿ وقتلوا في سبيل الله ﴾.
2.245
قوله عز وجل: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له أضعافا كثيرة ﴾؛ قال: (سبعين):
" لما أنزل الله قوله عز وجل: ﴿ من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قال صلى الله عليه وسلم: " رب زد أمتي " فنزل ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ﴾ فقال: " رب زد أمتي " فنزل ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ ".
وفي الآية استدعاء إلى الانفاق والبر في سبيل الله بألطف الكلام وأبلغه، وسماه الله قرضا تأكيدا لاستحقاق الجزاء؛ لأنه لا يكون قرضا إلا والعوض مستحق فيه. ومعنى الآية: من ذا الذي يتصدق بصدقة طيبة من نفس طيبة لا يمن بها على السائل ولا يؤذيه، قال الحسن: (هو النفقة في أبواب البر من النفل). وقال ابن زيد: (هو الإنفاق في الجهاد في سبيل الله). وقال الواقدي: (قرضا حسنا) يكون المال من الحلال. وقال سهل بن عبدالله: (هو أن لا يعتقد بقرضه عوضا).
وقوله تعالى: ﴿ فيضعفه له أضعافا كثيرة ﴾ قرأ عاصم وأبو حاتم (فيضاعفه) بالنصب، وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد والنصب بغير ألف، وقرأ ابن كثير وشيبة بالتشديد والرفع، وقرأ الآخرون بالألف والتخفيف ورفع الفاء. فمن رفعه عطفه على (يقرض)، ومن نصب جعله جواب الاستفهام بالفاء. والتشديد والتخفيف لغتان، ودليل التشديد قوله تعالى: ﴿ أضعافا كثيرة ﴾ لأن التشديد للتكثير.
قال الحسن والسدي: (هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله). قال أبو زيد: (معنى قوله تعالى: ﴿ فيضعفه له أضعافا كثيرة ﴾ أي يعطيه سبعمائة أمثاله). كما قال تعالى في آية أخرى:
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة
[البقرة: 261]. وعن أبي عثمان النهدي قال: أدخل أبو هريرة إصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" يضاعف الله للمؤمن حسنة إلى ألفي ألف حسنة ".
قوله عز وجل: ﴿ والله يقبض ويبسط ﴾؛ أي يقتر ويوسع على من يشاء من خلقه، ومنه قوله تعالى:
ويقبضون أيديهم
[التوبة: 67] أي يمسكوها عن النفقة في سبيل الله، وقوله:
ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض
[الشورى: 27]. وقيل: معناه: يقبض الصدقات ويبسط، والله يسلب النعمة من قوم ويبسطها على قوم. وقيل: معناه: يقبض الصدقات ويبسط عليها الجزاء عاجلا وآجلا. وقيل: القبض والبسط الإحياء والإماتة، فمن أماته الله فقد قبضه، ومن مد له في عمره فقد بسط له.
قوله عز وجل: ﴿ وإليه ترجعون ﴾؛ أي ترجعون في الآخرة فيجزيكم بما قدمتم، وقد جهلت اليهود معنى هذه الآية أو تجاهلت حتى قالت: إن الله يستقرض منا فهو فقير ونحن أغنياء كما قال تعالى:
لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء
[آل عمران: 181] وعرف المسلمون معنى الآية ووثقوا بثواب الله ووعده.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية
" جاء أبو الدحداحة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أرى ربنا يستقرض مما أعطانا لأنفسنا، وإن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فلي مثلاها في الجنة. قال: " نعم ". وأم الدحداحة معي؟ قال: " نعم " قال: والصبية معي؟ قال: " نعم " فتصدق بأفضل حديقتيه وهي تسمى الحبيبة، فلما رجع إلى أهله وجد أم الدحداحة والصبية في الحديقة التي تصدق بها، فقام على بابها وتحرج أن يدخلها، ثم نادى: يا أم الدحداحة؛ يا أم الدحداحة، قالت: لبيك، قال: قد جعلت حديقتي هذه صدقة واشترطت مثليها في الجنة وأم الدحداحة معي والصبية معي، قالت: بارك الله لك فيما اشتريت. ثم خرجوا منها ودفعوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى قد قبل منك، فأعطه اليتيمين اللذين في حجرك ". وقال: صلى الله عليه وسلم: " كم من نخل مدل عروقها في الجنة لأبي الدحداحة " ".