2.44
قوله عز وجل: ﴿ أتأمرون الناس بالبر ﴾؛ خطاب لعلماء اليهود، كانوا يخبرون مشركي العرب قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم: بأن رسولا سيظهر يدعو إلى الحق فاتبعوه وأجيبوا دعوته. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ حسدوه وكفروا به؛ فأنزل الله هذه الآية مذكرا لهم ما كان منهم.
وقوله تعالى: ﴿ وتنسون أنفسكم ﴾؛ أي تتركون أنفسكم فلا تتبعونه، وقوله تعالى: ﴿ وأنتم تتلون الكتب ﴾ ، يعني التوراة وما فيه، وتعلمون ما فيها من وجوب اتباعه، ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ، أن ذلكم حجة عليكم وأنه نبي حق فتصدقونه وتتبعونه.
2.45
قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلوة ﴾؛ أي استعينوا على ما استقبلكم من أنواع البلايا. وقيل: على طلب الآخرة بالصبر على أداء الفرائض؛ وبالصلاة على تمحيص الذنوب. وقيل: استعينوا بالصبر والصلاة على ما يذهب منكم من الرئاسة والمأكلة باتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد: (الصبر في هذه الآية الصوم). وقيل: (الواو) هنا بمعنى (على)؛ تقديره: استعينوا فيما ينوبكم بالصبر على الصلاة؛ كقوله تعالى:
وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها
[طه: 132].
وروي أن ابن عباس نعيت إليه بنت له وهو في سفر؛ فاسترجع، ثم قال: (عورة سترها الله؛ ومؤنة كفاها الله؛ وأجر ساقه الله). ثم نزل فصلى ركعتين. ثم قال: (صنعنا ما أمرنا الله به: واستعينوا بالصبر والصلاة).
وأصل الصبر هو الحبس، يقال: قتل فلان صبرا؛ إذا حبس حيا حتى مات، وقيل: الصبر هو الصوم؛ ويسمى شهر رمضان شهر الصبر، وسمي الصوم صبرا؛ لأن صاحبه يحبس نفسه عن الطعام والشراب.
قوله عز وجل: ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخشعين ﴾؛ يحتمل أن الهاء كناية عن الصلاة؛ لأنها أشرف الطاعات، ويحتمل أن تكون عن الاستعانة، ويحتمل أن يكون المراد بها الصبر والصلاة جميعا، كما قال الله تعالى:
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة: 62] فاكتفى بذكر أحدهما دلالة على الآخر. ونظير القول الأول قوله تعالى:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها
[التوبة: 34] رد الكناية إلى الفضة لأنها أغلب وأعم. وقال تعالى:
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها
[الجمعة: 11] رد الكناية إلى التجارة لأنها الأهم والأفضل. وقال الأخفش: (رد الكناية إلى كل واحدة منهما؛ أراد كل خصلة منهما الكبيرة كقوله تعالى:
كلتا الجنتين آتت أكلها
[الكهف: 33] يعني كل واحدة منهما، وقال تعالى:
وجعلنا ابن مريم وأمه آية
[المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين؛ أراد جعلنا كل واحد منهما آية).
قوله تعالى: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ أي ثقيلة شديدة إلا على الخاشعين؛ أي المؤمنين. وقيل: إلا العابدين المطيعين. وقيل: الخائفين. وقيل: المتواضعين. وقال الزجاج: (الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه؛ ويقال: خشع؛ إذا رمى ببصره إلى الأرض، وأخشع إذا طأطأ رأسه للسجود). والخشوع والخضوع نظيران؛ إلا أن الخضوع يكون بالبدن والخشوع بالبصر والصوت والقلب كما قال تعالى:
خشعة أبصرهم
[القلم: 43]
وخشعت الأصوات
[طه: 108]
أن تخشع قلوبهم
[الحديد: 16].