2.8
قوله عز وجل: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ﴾ ، نزلت هذه الآية في المنافقين: عبدالله بن أبي بن أبي سلول؛ ومعتب بن قشير؛ وجد بن قيس ومن تابعهم، كانوا يقولون للصحابة: آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق؛ وليس هم كذلك في الباطن إذا خلوا، وكانوا يقولون فيما بينهم: هذه خلة نسلم بها عن محمد وأصحابه ونكون مع ذلك متمسكين بديننا؛ فقال الله عز وجل: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ وإنما وحد في أول الآية وجمع الضمير في آخرها؛ لأن لفظ ﴿ من ﴾ للوحدان، ومعناه يصلح للمذكر والمؤنث؛ والاثنين والجماعة؛ فعدل تارة إلى اللفظ وتارة للمعنى؛ ومنه قوله تعالى:
بلى من أسلم وجهه لله
[البقرة: 112] الآية،
ومن يقنت منكن لله ورسوله
[الأحزاب: 31] الآية.
2.9
قوله عز وجل: ﴿ يخادعون الله والذين آمنوا ﴾؛ أي يخالفون الله ويكذبونه ويكذبون المؤمنين. ويخالفونهم في ضمائرهم وهم المنافقون. وأصل الخدع في اللغة الاختفاء؛ ومنه قيل للبيت الذي يخبأ فيه المتاع: مخدع؛ فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر. وقال بعضهم: أصل الخداع في اللغة: الفساد. وقال الشاعر:
أبيض اللون لذيذ طعمه
طيب الريق إذا الريق خدع
أي فسد، فيكون المعنى: مفسدون ما أظهروا بألسنتهم مما أضمروا في قلوبهم. وقيل: معناه: يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى:
فلمآ آسفونا انتقمنا منهم
[الزخرف: 55] أي آسفوا نبينا. وقوله تعالى:
الذين يؤذون الله ورسوله
[الأحزاب: 57] أي أولياء الله؛ لأن الله تعالى لا يؤذى ولا يخادع. وقد يكون المفاعلة من واحد كالمسافرة.
فإن قيل: ما وجه مخادعتهم الله؛ وهو لا يخفى عليه شيء؟ وما وجه مخادعة المؤمنين ومخادعة أنفسهم؟ قيل: المخادعة الإخفاء، يقال: انخدعت الضبية في جحرها. والله تعالى لا يخادع في الحقيقة، ولكن أطلق عليه اسم المخادعة لما فعلوا فعل المخادعين. ولو كان يصح لهم خداعهم لقال: يخدعون الله. وقيل: معناه: يخادعون رسول الله.
وأما مخادعة المؤمنين، فإظهارهم لهم الإسلام تقية؛ وقيل: إظهار الإسلام لهم ليكرموهم ويبجلوهم. وقيل: أظهروا لهم ذلك ليفشوا إليهم سرهم فينقلوه إلى أعدائهم. وأما مخادعة أنفسهم فضرر ذلك عليهم. قال الله تعالى: ﴿ وما يخدعون إلا أنفسهم ﴾؛ لأن وبال الخداع عائد إلى أنفسهم فكأنهم في الحقيقة إنما يخدعون أنفسهم.
قوله تعالى: ﴿ وما يشعرون ﴾؛ أي وما يعلمون أنه كذلك. والشعر: هو العلم الدقيق الذي يكون حادثا من الفطنة؛ وهو من شعار القلب؛ ومنه سمي الشاعر شاعرا لفطنته لما يدق من المعنى والوزن، ومنه الشعر لدقته. ويقال: ما شعرت به؛ أي ما علمت به. وليت شعري ما صنع فلان؛ أي ليت علمي.
واختلف القراء في قوله تعالى: ﴿ وما يخدعون ﴾ فقرأ نافع؛ وابن كثير؛ وأبو عمرو: (يخادعون) بالألف. وقرأ الباقون: (يخدعون) بغير ألف على أشهر اللغتين وأفصحهما؛ واختاره أبو عبيد. ولا خلاف في الأول أنه بالألف.