2.110
قوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ ، لما أمر الله تعالى بالصفح عن اليهود، علم أن ذلك يشق على المسلمين، فأمرهم الله بالاستعانة على ذلك بالصلاة والزكاة كما قال الله تعالى:
واستعينوا بالصبر والصلوة
[البقرة: 45].
قوله تعالى: ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾؛ يعني من طاعة وعمل صالح تجدوا ثوابه ونفعه عند الله. وقيل: أراد بالخير المال، كقوله تعالى:
إن ترك خيرا
[البقرة: 180] ومعناه: وما تقدموا لأنفسكم من زكاة وصدقة الثمرة واللقمة تجدوه عند الله مثل أحد. ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ ، وفي الحديث:
" إذا مات العبد قال الناس: ما خلف؟ وقال الملائكة: ما قدم؟ ".
روي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه دخل المقابر، فقال: (السلام عليكم يا أهل القبور، أموالكم قسمت؛ ودياركم سكنت؛ ونسائكم نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟) فهتف به هاتف: وعليكم السلام، ما أكلنا ربحنا؛ وما قدمنا وجدنا، وما خلفنا خسرنا.
2.111-112
قوله تعالى: ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ﴾ ، قال الفراء وأراد يهودا فحذفت الياء الزائدة. قال الأخفش: (الهود جمع هاد؛ مثل عائد وعود، وحائل وحول). وفي مصحف أبي: (إلا من كان يهوديا أو نصرانيا).
ومعنى الآية: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ولا دين إلا اليهودية. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، ولا دين إلا النصرانية. فأنزل الله تعالى: ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ، يجوز أن تكون ﴿ تلك ﴾ كناية عن الجنة؛ ويجوز أن تكون المقالة. وأمانيهم: أباطيلهم بلغة قريش، وقيل: شهواتهم التي تمنوها على الله بغير الحق. ﴿ قل ﴾؛ لهم يا محمد: ﴿ هاتوا برهانكم ﴾؛ أي حجتكم على ذلك من التوراة والانجيل، ﴿ إن كنتم صادقين ﴾.
ثم قال الله تعالى ردا عليهم وتكذيبا لهم: ﴿ بلى ﴾؛ أي ليس كما قالوا، بل يدخل الجنة، ﴿ من أسلم وجهه لله ﴾؛ أي من أخلص دينه لله. وقيل: من فوض أمره إلى الله. وقيل: من خضع وتواضع لله. وأصل الإسلام: الاستسلام: وهو الخضوع والانقياد. وإنما خص الوجه؛ لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه.
وقوله تعالى: ﴿ وهو محسن ﴾ أي محسن في عمله، وقيل: معناه: وهو مؤمن مخلص، ﴿ فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ﴾؛ أي فيما يستقبلهم من أهوال القيامة، ﴿ ولا هم يحزنون ﴾؛ على ما خلفوا في الدنيا؛ لأنهم يتيقنون بثوابهم عند الله.