2.131
قوله تعالى: ﴿ إذ قال له ربه أسلم ﴾؛ أي استقم على الإسلام واثبت عليه؛ لأنه كان مسلما كقوله تعالى:
فاعلم أنه لا إله إلا الله
[محمد: 19] أي اثبت على علمك. وقال ابن عباس: (إنما قال ذلك حين خرج من السرب ورأى الكوكب والقمر والشمس، فألهمه الله الإخلاص فاستدل وعرف وحدانية الله فأسلم حينئذ، وقال:
إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين
[الأنعام: 78-79]) وليس أنه كان حين أفلت الشمس كافرا؛ لأن الله تعالى لا ينبئ من كان كافرا قط.
ويجوز أن يكون معنى الإسلام: تسليم الأمور إلى الله تعالى والانقياد له من غير امتناع وعصيان. وقال الكلبي: (معناه: أخلص دينك لله بالتوحيد). وقال عطاء: (سلم نفسك إلى الله وفوض أمرك إليه). وقيل: اخضع واخشع.
قوله تعالى: ﴿ قال أسلمت لرب العالمين ﴾؛ ظاهر المعنى.
2.132-133
قوله تعالى: ﴿ ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب ﴾؛ قرأ أهل المدينة وأهل الشام: (وأوصى) بالألف. وقرأ الباقون بالتشديد. وهما لغتان؛ يقال: أوصيته ووصيته؛ إذا أمرته مثل إنزل ونزل. وقوله تعالى: ﴿ بهآ ﴾ يعني بكلمة الإخلاص: لا إله إلا الله. وقال أبو عبيدة: (إن شئت رددت الكناية إلى الملة؛ لأنه ذكر ملة إبراهيم؛ وإن شئت رددتها إلى الوصية). وقال المفضل: (بالطاعة كناية عن غير مذكور). وكناية الملة هنا أصح؛ لأن ردها إلى المذكور أولى من ردها إلى المدلول، وكلمة الإخلاص مدلول عليها في ضمن قوله تعالى: ﴿ قال أسلمت لرب العالمين ﴾.
وبنو إبراهيم أربعة: إسماعيل؛ وإسحاق؛ ومدين؛ ومدائن. قوله تعالى: ﴿ ويعقوب ﴾ قيل: سمي بيعقوب؛ لأنه خرج على إثر العيص؛ وقد مضت قصتهما. وقيل: سمي بيعقوب لكثرة عقبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف من بني إسرائيل "
ومعنى الآية: وصى بها أيضا يعقوب بنيه الاثني عشر. وحكي عن مجاهد أنه حكى عن بعضهم: (ويعقوب) بالنصب عطفا على بنيه داخلا في جملتها الموصيين.
قوله تعالى: ﴿ يابني إن الله اصطفى لكم الدين ﴾؛ أي الإسلام، ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾؛ أي مؤمنون. وقيل: مخلصون. وقيل: محسنون بربكم الظن. وقيل: مفوضون.
روي أنه لما نزلت هذه الآية قال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه بدين اليهودية؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت ﴾؛ أي أكنتم أيها اليهود حضورا حين حضر يعقوب الموت، ﴿ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل ﴾؛ الصادق، ﴿ وإسحاق ﴾؛ الحليم.
والمراد بحضور الموت: حضور أسبابه؛ لأن من حضره الموت لا يتمكن من القول، وقد سمي سبب الشيء باسمه. كما قال تعالى:
وجزآء سيئة سيئة مثلها
[الشورى: 40].
وقال الكلبي: (معنى الآية: أن يعقوب لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنيران؛ فجمع أولاده وخاف عليهم ذلك. وقال لهم: ما تعبدون من بعدي). وقال عطاء: (إن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى يخيره بين الحياة والموت، فلما خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل أولادي وأوصيهم؛ فجمع أولاده وأولاد أولاده وقال لهم: قد حضر أجلي، فما تعبدون من بعدي؟ أي من بعد موتي. ﴿ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ﴾. ﴿ إلها واحدا ونحن له مسلمون ﴾.
قرأ يحيى بن معمر: (إله أبيك) على التوحيد؛ قال: لأن إسماعيل عم يعقوب لا أبوه. وقرأ العامة: (وإله آبائك) على الجمع. وقالوا: عم الرجل صنو أبيه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس:
" هذا بقية آبائي "
والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما. قال الله تعالى:
ورفع أبويه على العرش
[يوسف: 100] يعني يعقوب وليان؛ وهي خالة يوسف عليه السلام.