تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.16

قوله عز وجل: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى ﴾ أي أخذوا الضلالة وتركوا الهدى؛ واختاروا الكفر على الإيمان. وإنما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعا؛ لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال والاختيار؛ لأن كل واحد من المتبايعين يختار ما بيد صاحبه على ما في يده. قوله عز وجل: ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾؛ أي فما ربحوا في تجارتهم؛ تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك؛ ونام ليلك؛ توسعا. قال الله تعالى:

فإذا عزم الأمر

[محمد: 21]. وقرأ ابن أبي عبلة: (فما ربحت تجاراتهم) على الجمع. وقوله تعالى: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾؛ أي من الضلالة؛ وقيل: معناه وما كانوا مصيبين في تجارتهم.

2.17

قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ﴾؛ أي مثل المنافقين في إظهارهم الإسلام وحقنهم دماءهم وأموالهم كمثل رجل في مفازة في ليلة مظلمة يخاف السباع على نفسه، فيوقد نارا ليأمن بها السباع، ﴿ فلمآ أضآءت ﴾ ، النار، ﴿ ما حوله ﴾ المستوقد؛ طفئت. فبقي في الظلمة؛ كذلك المنافق يخاف على نفسه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيسلم دماء الناس فيحقن دمه، ويناكح المسلمين فيكون له نور بمنزلة نور نار المستوقد؛ فإذا بلغ آخرته لم يكن لإيمانه أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله، سلب نور الإيمان عند الموت فيبقى في ظلمة الكفر، نستعيذ بالله. وقوله تعالى: ﴿ استوقد ﴾ يعني أوقد، قال الشاعر:

وداع دعا يا من يجيب إلى الندى

فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وقوله تعالى: ﴿ كمثل الذي ﴾ بمعنى (الذين) دليله سياق الآية؛ ونظيره قوله تعالى:

والذي جآء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون

[الزمر: 33]. فإن قلت: كيف يجوز تشبيه الجماعة بالواحد؟ قلت: لأن (الذي) اسم ناقص، فيتناول الواحد والاثنين ك (من) و (ما)، وفي الآية ما يدل على أن معناه الجمع، وهو قوله تعالى: ﴿ وتركهم ﴾. وقد يجوز تشبيه فعل الجماعة بفعل الواحد مثل قوله تعالى:

أتدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت

[الأحزاب: 19]. وقوله تعالى: ﴿ أضآءت ﴾ يقال: ضاء القمر يضوء ضوءا، وأضاء يضيء إضاءة؛ وإضاءة غيره يكون لازما ومتعديا. وقرأ محمد بن السميقع: (ضاءت) بغير ألف؛ و ﴿ حوله ﴾ نصب على الظرف.

قوله تعالى: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾؛ أي أذهب الله نورهم. وإنما قال: ﴿ بنورهم ﴾ والمذكور في أول الآية النار؛ لأن النار فيها شيئان: النور والحرارة؛ فذهب نورهم؛ وبقي الحرارة عليهم، ﴿ وتركهم في ظلمت لا يبصرون ﴾.

وفي بعض التفاسير: قال ابن عباس؛ وقتادة والضحاك: (معنى الآية: مثلهم في الكفر ونفاقهم كمن أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء به، واستدفأ ورأى ما حوله، فاتقى ما يحذر ونجا مما يخاف وأمن؛ فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره؛ فبقي مظلما خائفا متحيرا؛ فكذلك المنافقون إذا أظهروا كلمة الإيمان واستناروا بنورها واعتزوا بعزها، فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم؛ فإذا ماتوا عادوا في الظلمة والخوف وبقوا في العذاب والنقمة).

التفسير الكبير · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٢