تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.204

قوله عز وجل: ﴿ ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ﴾؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، كان حسن المنظر؛ حلو الكلام؛ فاجر السريرة؛ حلافا شديد الخصومة في الباطل، وكان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم فيظهر له الحسن ويحلف بالله أنه يحبه ويتبعه على دينه؛ وكان صلى الله عليه وسلم يسمع كلامه فيعجبه، وكان يدنيه من مجلسه، فأظهره الله على نفاقه).

ومعنى الآية: ﴿ ومن الناس من يعجبك ﴾ كلامه وحديثه؛ أي يفرح بإظهاره الأيمان وتسر بقوله، ﴿ ويشهد الله على ما في قلبه ﴾ أي يقول: الله شهيد على ما في قلبي كما هو على لساني من الإيمان. وقوله تعالى: ﴿ وهو ألد الخصام ﴾ أي شديد الخصومة جدل بالباطل. والألد: مأخوذ من لدتي العنق؛ وهما صفحتاه. وتأويله: أن خصمه في أي وجه أخذ من أبواب الخصومة من يمين أو شمال غلبه في ذلك.

2.205

قوله تعالى: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ﴾؛ أي إذا أعرض عنك الأخنس يا محمد وفارقك أسرع مشيا في الأرض ليعصي فيها ويضر المؤمنين، وليهلك ما قدر عليه من زرع ونسل، ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ أي لا يرضى المعاصي.

روي: أن الأخنس خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر بزرع فأحرقه؛ وبحمار فعقره؛ فنزلت هذه الآية بما فيها من الوعيد، فحسبه جهنم، وصارت عامة في جميع المفسدين. وقيل: معنى الآية: ﴿ ليفسد فيها ﴾ أي ليوقع الفتنة بين الناس فيشتغلوا عن الزراعة وعن أعمالهم، فيكون في ذلك هلاك الحرث والنسل. وقيل: يخيف الناس حتى يهربوا من شره، فيخرب الضياع وينقطع نسل الناس والدواب.

وفي هذه الآية تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه الرجل من حلاوة المنطق، وأمر بالاحتياط في أمر الدين والدنيا حتى لا يقتصر على ظاهر أمر الإنسان خصوصا فيمن هو ألد الخصام؛ ومن ظهرت منه دلائل الريبة. ولهذا قالوا: إن علينا استبراء حال من نراه في الظاهر أهلا للقضاء والشهادة والفتيا والأمانة، وأن لا يقبل منهم ظاهرهم حتى يسأل عنهم ويبحث عن أمرهم، إذ قد حذر الله تعالى أمثالهم في توليتهم على أمور المسلمين؛ ألا ترى أنه عقبه بقوله: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ﴾ فيحتمل أن يكون المراد بالتولي: أن يتولى أمرا من أمور المسلمين؛ فأعلم الله بهذه الآية أنه لا يجوز الاقتصار على الظاهر دون الاحتياط والاستبراء.

التفسير الكبير · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٤٦