وفي بعض الأخبار:
" أنه قدم أغيلمة بني عبدالمطلب بليل، وجعل يلطخهم بيده ويقول: " أي بني، لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين "
فلو كان الوقوف بها فرضا لما رخص في تركه للضعيف كالوقوف بعرفة.
2.200-201
قوله عز وجل: ﴿ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا ﴾؛ أي إذا فرغتم من متعبداتكم ﴿ فاذكروا الله ﴾ عز وجل بالخير ﴿ كذكركم آبآءكم ﴾ بل أشد ذكرا. وذلك أنهم كانوا يقفون بعد قضاء المناسك يوم النحر بين المسجد الذي في منى وبين الجبل، يتناشدون الأشعار ويتفاخرون بذكر فضائل آبائهم، يقول أحدهم: يا رب إن عبدك فلانا - يعني أباه - كان يفعل كذا وكذا من الخير. فأمرهم الله تعالى أن يذكروه فهو الذي فعل ذلك الخير إلى آبائهم، وأن أياديه عندهم أكثر وأعظم من أيادي آبائهم عليهم.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم بعد نزول هذه الآية:
" إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، إن الناس من آدم وإن آدم من تراب؛ لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى "
ثم تلا
يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى...
[الحجرات: 13] الآية.
وقال بعضهم: معناه أذكروا الله بالتوحيد كما تذكرون آباءكم بذلك؛ فإنكم لا ترضون أن تنسبوا إلى أبوين، وكذلك لا ترضون من أنفسكم باتخاذ إلهين.
وعن عطاء والربيع والضحاك في قوله: ﴿ كذكركم آبآءكم ﴾: (هو كقول الصغير أول ما يفقه الكلام (أبه أبه) أي استغيثوا بالله وافزعوا إليه في جميع أموركم؛ كما يفزع الصغير إلى أبيه في جميع أموره ويلتح بذكره). وعن أبي الجوزاء قال: قلت لابن عباس رضي الله عنه: أخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿ فاذكروا الله كذكركم آبآءكم ﴾ وقد يأتي على الرجل اليوم لا يذكر أباه، فقال ابن عباس: (ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما).
وأما وجه نصب ﴿ أشد ﴾ فقال الأخفش: (اذكروه ذكرا أشد ذكرا). وقال الزجاج: (هو في محل الخفض، ولكنه لا ينصرف لأنه صفة على وزن (أفعل). ونصب ﴿ ذكرا ﴾ على التمييز).
قوله عز وجل: ﴿ فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ﴾؛ نزلت في مشركي قريش كانوا يقولون في عادتهم في الحج: اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء وأموالا. ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة والمغفرة، كانوا لا يرجون إلا نعيم الدنيا، ولا يخافون البعث والنشور. فبين الله تعالى بقوله: ﴿ وما له في الآخرة من خلاق ﴾ أي من نصيب ولا ثواب.
والمعنى: من يطلب بحجه أمور الدنيا لا يريد بذلك ثواب الله تعالى، فلا نصيب له في ثواب الآخرة. وقال أنس بن مالك: (كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون ويقولون: اللهم اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر). وقال قتادة: (هذا عبد نوى الدنيا؛ لها أنفق ولها عمل ولها نصب). فهي همه وسؤله وطلبه.
ثم بين الله تعالى دعاء المؤمنين بقوله عز وجل: ﴿ ومنهم من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ﴾؛ واختلفوا في معنى الحسنتين؛ فقال علي كرم الله وجهه: ﴿ آتنا في الدنيا حسنة ﴾ أي امرأة صالحة، ﴿ وفي الآخرة حسنة ﴾ الحور العين، ﴿ وقنا عذاب النار ﴾ المرأة السوء). وقال الحسن: (معناه: آتنا في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة). قال السدي: (معناه: آتنا في الدنيا رزقا حلالا واسعا وعملا صالحا، وفي الآخرة مغفرة وثوابا). وقال عطية: (معناه: ﴿ آتنا في الدنيا ﴾ العلم والعمل به، ﴿ وفي الآخرة ﴾ تيسير الحساب ودخول الجنة). وقال مجاهد: (معنى الحسنة: النعمة، فكأنهم سألوا الله نعمة الدنيا والآخرة وأن يقيهم عذاب النار).
وقيل: معناه: آتنا في الدنيا التوفيق والعصمة، وفي الآخرة النجاة والرحمة. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا أولادا أبرارا، وفي الآخرة مرافقة الأنبياء. وقيل: معناه آتنا في الدنيا المال والنعمة، وفي الآخرة تمام النعمة، وهو الفوز من النار ودخول الجنة. وقيل: معناه آتنا في الدنيا: الدين واليقين، وفي الآخرة اللقاء والرضاء. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا الثبات على الإيمان، وفي الآخرة السلامة والرضوان. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا حلاوة الطاعة، وفي الآخرة لذة الرؤية. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا الإخلاص، وفي الآخرة الخلاص.