تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصل الانفجار: الانشقاق والانتشار، ومنه: فجر النهار؛ لأنه ينشق من الظلام. وأما قوله في موضع آخر:

فانبجست

[الأعراف: 160] فالانبجاس: أول ما يتقاطر من الماء وينشق، والانفجار حين السيلان. وكان الانبجاس في أول القصة؛ والانفجار في آخرها. والانبجاس أقل من الانفجار. وقال بعضهم: هو حجر أمر الله موسى أن يأخذه من أسفل البحر حين مر فيه مع قومه. وقيل: إنه من الجنة.

وقوله تعالى: ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾؛ أي موضع مشربهم؛ ويكون بمعنى المصدر مثل المدخل؛ والمخرج؛ والمطلع. وكان كل سبط يشربون من عين لا يخالطهم فيها غيرهم للعصبية التي كانت بينهم.

قوله تعالى: ﴿ كلوا واشربوا من رزق الله ﴾؛ أي قلنا: كلوا من المن والسلوى واشربوا من الماء؛ فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم به بلا مشقة ولا مؤنة ولا تعب.

قوله تعالى: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ ، العيث والعثواء: شدة الفساد؛ وإنما جمع بين العيث والفساد وإن كان معناهما واحدا تأكيدا كما يقال: كذب وزور؛ ظلم وجور، أي قيل لهم: كلوا واشربوا ولا تسرعوا إلى الفساد في الأرض عاثيين. والدليل على أن العيث هو الفساد قول الشاعر:

لولا الحياء وأن رأسي قد عثى

فيه المشيب لزرت أم القاسم

2.61

قوله عز وجل: ﴿ وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد ﴾؛ وذلك أنهم وحموا المن والسلوى وملوهما. قال الحسن: كانوا أناسا أهل كراش؛ كراث؛ وأبصال؛ وأعداس؛ ففزعوا إلى عكرهم عكر السوء؛ واشتاقت طبائعهم إلى ما جرت عليه عاداتهم؛ فقالوا: ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ يعنون به المن والسلوى. وإنما قال: ﴿ طعام واحد ﴾ وهما اثنان؛ لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد؛ وعن الواحد بلفظ الاثنين؛ كقوله تعالى:

يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان

[الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقال عبدالرحمن بن يزيد: (كانوا يعجنون المن والسلوى ليصير طعاما واحدا فيأكلونه).

قوله تعالى: ﴿ فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها ﴾ ، قرأ يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف: (وقثائها) بضم القاف، وهي لغة تميم. قوله تعالى ﴿ وفومها ﴾؛ قال ابن عباس: (الفوم: الخبز) تقول العرب: فومو لنا؛ أي اخبزوا لنا. ويقال لسائر الحبوب التي تختبز: الفوم. يقول الرجل لجاريته: فومي؛ أي اختبزي. وقال عطاء: هي الحنطة؛ وهي لغة قديمة. وقال الكلبي: هو الثوم. قال حسان:

وأنتم أناس لئام الأصول

طعامكم الفوم والحوقل

يريد: الثوم والبصل. والعرب تعاقب بين الفاء والثاء. فتقول للحقير: حدث وحدف؛ ودليل هذا التأويل أنها في مصحف عبدالله: (وثومها) بالثاء.

قوله تعالى: ﴿ وعدسها وبصلها ﴾؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس؛ وإنه يرق القلب ويكثر الدمع، وإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى عليه السلام "

فقال لهم موسى: ﴿ قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾. وفي مصحف أبي: (أتستبدلون الذي هو أدنى) أي أخس وأردى (بالذي هو خير) يعني المن والسلوى. وقوله تعالى: ﴿ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ﴾؛ معناه إن أبيتم إلا ذلك فاهبطوا مصرا من الأمصار؛ ولو أراد مصرا بعينها لم يصرفه كقوله تعالى:

ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين

[يوسف: 99]. وقال الضحاك: (هي مصر موسى وفرعون). ودليل هذا القول قراءة الحسن وطلحة: (مصر) بغير تنوين جعلاها معرفة؛ فاجتمع فيها التعريف والتأنيث من حيث أراد البقعة فلم ينصرف.

قوله تعالى: ﴿ وضربت عليهم الذلة ﴾؛ أي الذل والهوان بالجزية، ﴿ والمسكنة ﴾؛ أي زي الفقر فتراهم كأنهم فقراء وإن كانوا مياسير. وقيل: فقراء القبل فلا يرى في أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود. قوله تعالى: ﴿ وبآءو بغضب من الله ﴾؛ أي رجعوا؛ وقيل: استحقوا، والباء صلة. وقيل: احتملوا واقروا به، ومنه الدعاء المأثور: [أبوء بنعمتك علي؛ وأبوء بذنبي]. وغضب الله عليهم: ذمه إياهم وتوعده لهم في الدنيا، وإنزال العقوبة بهم العقبى. قوله تعالى: ﴿ ذلك ﴾؛ أي ذلك الغضب؛ ﴿ بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ﴾؛ أي بصفة محمد وآية الرجم في التوراة والإنجيل والفرقان.

التفسير الكبير · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٤٠