تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2.105

قوله تعالى: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير ﴾؛ أي ما يتمنى الذين كفروا من يهود المدينة ونصارى نجران ولا مشركي العرب عبدة الأوثان أن ينزل عليكم أيها المؤمنون من خير، ﴿ من ربكم ﴾ ، من الوحي وشرائع الإسلام. قوله تعالى: ﴿ ولا المشركين ﴾ مجرور في اللفظ بالنسق على (من)، مرفوع في المعنى بفعله، كقوله:

وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه

[الأنعام: 38]. قوله تعالى: ﴿ من خير من ربكم ﴾ أي خير كما تقول: ما أتاني من أحد، ف (من) فيه وفي إخوانه صلة، وهي كثيرة في القرآن.

قوله تعالى: ﴿ والله يختص برحمته من يشآء ﴾؛ أي يختار برحمته للنبوة والإسلام من يشاء، ويختص بها محمد صلى الله عليه وسلم. والاختصاص آكد من الخصوص؛ لأن الاختصاص لنفسك؛ والخصوص لغيرك، ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾؛ على من اختصه بالنبوة والإسلام.

2.106

قوله عز وجل: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها ﴾؛ قيل: سبب نزول هذه الآية: أن اليهود كانوا يقولون حين حولت القبلة إلى الكعبة: إن كان الأول حقا فقد رجعتم، وإن كان الثاني حقا فقد كنتم على الباطل. وقيل: سببه: أن اليهود كانوا ينكرون نسخ الشرائع؛ ويقولون: إن النسخ سبب الندامة، ولا يجوز ذلك على الله. فنزلت هذه الآية ردا عليهم وبين أنه يدبر الأمر كيف يشاء.

ومعناه: ما نبدل من آية أو نتركها غير منسوخة نأت بخير من المنسوخة؛ أي أكثر في الثواب. وقيل: ألين، وأسهل على الناس؛ أو مثلها في المصلحة والثواب. قيل: إن قوله: ﴿ نأت بخير منها ﴾ ، مثل الأمر بالقتال؛ فرض الله في القتال أول ما فرض في الجهاد بأن يكون كل مسلم بدل عشرة من الكفار، وكان لا يحل له أن يفر من عشرة كما قال تعالى:

إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين

[الأنفال: 65] ثم نسخ بقوله:

الآن خفف الله عنكم

[الأنفال: 66] الآية. ولم يقل أحد إن بعض آيات القرآن خير من بعض في التلاوة والنظم؛ إذ جميعه معجز.

وأما قوله تعالى: ﴿ أو مثلها ﴾؛ فهو مثل آية القبلة جعل الله ثواب الصلاة إلى الكعبة بعد النسخ مثل ثواب الصلاة إلى بيت المقدس قبل النسخ. وروي أن المشركين: قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا. فأنزل الله تعالى:

وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون

[النحل: 101]. وأنزل أيضا: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾.

قوله تعالى: ﴿ ما ننسخ ﴾ قرأ ابن عامر (ننسخ) بضم النون وكسر السين، ومعناه على هذه القراءة نجعله نسخة من قولك: نسخت الكتاب؛ إذا كتبته. وقرأ الباقون: (ننسخ) بفتح النون والسين.

وقوله ﴿ أو ننسها ﴾ قراءة سعيد بن المسيب وشيبة ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي (ننسيها) بضم النون وكسر السين، ومعناه: نأمره بتركها. وقرأ أبي ابن كعب (أو ننسك). وقرأ عبدالله (ما ننسك من آية أو ننسخها). وقرأ سالم مولى حذيفة: (أو ننسكها). وقرأ أبو حاتم: (أو ننسها) بالتشديد. وقرأ الضحاك: (أو تنسها) بضم التاء وفتح السين. وقرأ سعد بن أبي وقاص: (أو تنساها) بتاء مفتوحة. وعن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ (أو تنسها)، فقلت: إن سعيد ابن المسيب يقرأ (أو تنساها) فقال: (إن القرآن لم ينزل على آل المسيب. قال الله تعالى: لنبيه صلى الله عليه وسلم:

سنقرئك فلا تنسى

[الأعلى: 6]

واذكر ربك إذا نسيت

[الكهف: 24]).

وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وابن كثير وأبو عمرو والنخعي: (أو ننسأها) بفتح النون الأولى وفتح السين وبعدها همزة مهموزة، ومعناها: نتركها، يقال: نسيت الشيء؛ إذا تركته، ومنه قوله تعالى:

التفسير الكبير · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٧٠