تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل: في هذه الآية نهي عن نكاح المشركات بسبب وهو دعاء أهل الشرك إلى النار، وهذه العلة تعم الكتابيات وغيرهن، فكيف أبيح للمسلمين نكاح الكتابيات والعلة قائمة؟ قيل: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ أولئك يدعون إلى النار ﴾ راجعا إلى قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركين ﴾ لا إلى قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾؛ لأن أولئك كناية عن الرجال دون النساء. ولا يجوز تزويج المسلمة من مشرك ولا كتابي.

2.222

قوله عز وجل: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ﴾؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له: أبو الدحداحة، أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف نصنع بالنساء إذا حضن؛ هل نقربهن أو لا؟ فنزلت هذه الآية). فلما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيض فأخرجوهن من البيوت كما كانت الأعاجم تفعل بنسائهم إذا حضن، وإذا فرغن واغتسلن ردوهن إلى البيوت، فقدم ناس من الأعراب المدينة، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عزل النساء عنهم، وقالوا: يا رسول الله، إن البرد شديد والثياب قليلة وقد عزلنا النساء، فإن آثرناهن بالثياب هلك أهل البيت بردا، وإذا آثرنا أهل البيت هلك النساء الحيض، وليس كلنا يجد وسعة فيوسع عليهم جميعا، فقال صلى الله عليه وسلم:

" إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم تؤمروا أن تخرجوهن من البيوت "

وقرأ عليهم الآية.

وقال بعضهم: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة، لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت، ولم يجالسوها على فراش كفعل اليهود والمجوس، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: يا رسول الله، كيف نصنع بالحيض؟ فأنزل الله هذه الآية.

ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدم " من " حديث نكاح من تحرم ومن تحل، فبين الله بعده حال التحليل والتحريم بهذه الآية.

وقال ابن عباس: (ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما سألوه إلا عن ثلاثة عشر مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن:

يسألونك عن الشهر الحرام

[البقرة: 217]

يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم

[البقرة: 215]

ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو

[البقرة: 219]

يسألونك عن الأهلة

[البقرة: 189]

يسألونك عن الخمر والميسر

[البقرة: 219]

ويسألونك عن اليتامى

[البقرة: 220] ﴿ ويسألونك عن المحيض ﴾ [البقرة: 222]

يسألونك عن الساعة أيان مرسها

[الأعراف: 187]

وإذا سألك عبادي عني

[البقرة: 186]

يسألونك عن الأنفال

[الأنفال: 1]

ويسألونك عن الروح

[الإسراء: 85]

ويسألونك عن ذي القرنين

[الكهف: 83]

ويسألونك عن الجبال

[طه: 105]).

ومعنى الآية: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ﴾ أي الدم مستقذر نجس، وقال الكلبي: (الأذى ما يعم ويكره من كل شيء).

قوله تعالى: ﴿ فاعتزلوا النسآء في المحيض ﴾؛ أي اعتزلوا مجامعتهن وهن حيض، ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾؛ أي ولا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن الدم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من وطئ امرأته وهي حائض فقضي بينهما ولد فأصابه جذام فلا يلومن إلا نفسه؛ ومن احتجم يوم السبت أو الأربعاء فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه ".

فوطئ النساء الحيض حرام بنص القرآن، فإن وطأها زوجها أثم ولزمته الكفارة، روي عن ابن عباس:

" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل جامع امرأته وهي حائض؛ قال: " إن كان دما غليظا فليتصدق بدينار؛ فإن كان صفرة فنصف دينار "

ولا بأس باستخدام الحائض وبمباشرة بدنها إذا كانت متزرة، والاستمتاع بما فوق الإزار.

قال مسروق: قلت لعائشة رضي الله عنها: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: (كل شيء إلا الجماع).

" وروي أن عائشة رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعة في ثوب واحد، وأنها وثبت وثبة شديدة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما لك؟ لعلك نفست " يعني حضت؛ قالت: نعم، قال: " شدي عليك إزارك وعودي إلى مضجعك " ".

التفسير الكبير · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٦٣