2.241
قوله عز وجل: ﴿ وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ﴾؛ قال سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري: (المراد بالمتاع في هذه الآية: المتعة؛ وهي واجبة لكل مطلقة). وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن المتعة تجب للمطلقات كلهن من طريق الديانة بحكم هذه الآية؛ ولكن لا يجبر الزوج على المتعة إلا لمطلقة لم يدخل بها ولم يفرض لها مهرا للآية المتقدمة. وقال بعضهم: أراد بالمتاع في هذه الآية نفقة عدة الطلاق؛ لأن الله تعالى عطفه على قوله:
متاعا إلى الحول
[البقرة: 240] والمراد هناك النفقة والسكنى.
2.242
قوله عز وجل: ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ﴾؛ أي مثل هذا البيان ﴿ يبين الله لكم ﴾ دلائله في المستقبل كما بين في الماضي من أمور دينكم ودنياكم؛ لكي تفهموا ما أمرتم به. ويقال: لكي تكمل عقولكم؛ فإن العقل الغريزي إنما يكمل بالعقل المكتسب، وحقيقة العاقل أن يعمل ما افترض عليه، وحقيقة العمل استعمال الأشياء المستقيمة.
2.243
قوله عز وجل: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم ﴾؛ قال ابن عباس: (وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر بالخروج إلى قتال عدوهم؛ فخرجوا للقتال ثم جبنوا وكرهوا القتال، فقالوا لملكهم: إن الأرض التي تريدها فيها الوباء فلا تأتها حتى ينقطع عنها الوباء، فقال لهم الله: موتوا).
واختلفوا في عددهم؛ فقال مقاتل والكلبي: (كانوا ثمانية آلاف). وقال أبو روق: (عشرة آلاف). وقال أبو مالك: (ثلاثون ألفا). وقال السدي: (بضعة وثلاثون ألفا). وقال ابن جريج: (أربعون ألفا) وقال عطاء بن أبي رباح: (تسعون ألفا). وقال الضحاك: (كانوا عددا كثيرا). فقوله تعالى: ﴿ ألوف ﴾ دليل على كثرتهم؛ إذ لو كانوا كما قال مقاتل والكلبي لقال: وهم آلاف؛ لأن من عشرة آلاف إلى ما دونها يقال فيها: آلاف، ولا يقال فيها: ألوف؛ لأن الألوف جمع الكثير. والآلاف جمع القليل.
فمكثوا موتى ثمانية أيام حتى انتفخوا وبلغ بني إسرائيل موت أصحابهم، فخرجوا إليهم ليدفنوهم، فعجزوا عنهم من كثرتهم، فحظروا عليهم الحظائر، ثم أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام، فبقي فيهم من ريح النتن التي كانت فيهم بعد الموت حتى بقي في أولادهم إلى اليوم.
وقال السدي: (وقع الطاعون في بني إسرائيل، فخرج قوم منهم هاربين من ديارهم حتى انتهوا إلى مكان فماتوا وتفرقت عظامهم وتقطعت أوصالهم، فأتى عليهم مدة وقد بليت أجسادهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام؛ لأنه كان بعد موسى يوشع بن نون، ثم كالب بن يوفنا، ثم حزقيل. وكان يقال له: ابن العجوز، وذلك أن أمه كانت عجوزا فسألت الله تعالى الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها؛ فلذلك سمي ابن العجوز).
وقال الحسن ومقاتل: (هو ذو الكفل، وإنما سمي حزقيل ذا الكفل؛ لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل، فقال لهم: اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا، فلما جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، فقال لهم: ذهبوا ولم أدر أين هم. وحفظ الله ذا الكفل من اليهود. فلما مر حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم وجعل يفكر فيهم متعجبا، فقال: الحمد لله القادر على أن يحيي هذه الأجساد، فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك كيف أحيي الموتى؟ قال نعم، فقال: له: نادهم، فنادى: أيها العظام، ثم قال: ألا أيتها الأجساد البالية، إن الله يأمركن أن تكتسين لحما، فجعل اللحم يجري عليهن حتى صرن أجسادا من اللحوم، ثم قال: ألا أيتها الأجساد البالية الخاوية، إن الله يأمركن أن تقمن بإذن الله، فقاموا.
فرجعوا إلى بلادهم وأقاموا وتوالدوا، وكان أحدهم إذا اكتسى ثوبا صار عليه كفنا يكون فيه ريح الموت).