وقيل في تأويل الآية: أنها وردت فيما يؤاخذ به العبد فيما بينه وبين الله تعالى، وتأويل قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يعملوا أو يتكلموا به "
إنما ورد فيما يلزم العبد من أحكام الدنيا، فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا هبته بالنية ما لم يتكلم.
ومن نظائر هذه الآية:
ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم
[البقرة: 225] وقوله تعالى:
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم
[النور: 19]. ويدل على ذلك أن من أحب ما يبغضه الله، أو أبغض ما يحبه الله كان معاقبا على ذلك وإن لم يعمل إلا بقلبه.
وقال بعضهم: إن الإخفاء في هذه الآية أن يضمر على السوء ويهم به، ثم لا يصل إليه ولا يتمكن منه. وهذا القول حسن جدا اختاره جماعة من المفسرين.
قوله تعالى: ﴿ فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ﴾؛ رفعهما أبو جعفر وابن عامر والحسن وعاصم ويعقوب على الابتداء؛ أي فهو يغفر. ونصبهما ابن عباس على الصرف. وجزمهما الباقون عطفا على ﴿ يحاسبكم ﴾. قوله تعالى: ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾؛ يعني من المغفرة والعقوبة.
2.285-286
قوله عز وجل: ﴿ ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ﴾؛ الآية، لما سبق في السورة ذكر أحكام كثيرة أثنى الله على من آمن بها وقبلها، وقال عز من قائل: ﴿ ءامن الرسول ﴾ بجميع الأحكام التي أنزلها الله تعالى، وكذلك المؤمنون كلهم آمنوا بالله، وقوله تعالى: ﴿ وملائكته ﴾؛ إنما أتى بالملائكة لأن حيا من خزاعة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فقال صلى الله عليه وسلم:
" والمؤمنون يقولون: إن الملائكة عباد الله ".
قوله: ﴿ وكتبه ﴾؛ قرأ ابن عباس وعكرمة والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (وكتابه) بالألف. وقرأ الباقون (وكتبه) بالجمع، وهو ظاهر كقوله ﴿ وملائكته ورسله ﴾. وللتوحيد وجهان؛ أحدهما: أنهم أرادوا القرآن خاصة، والثاني: أنهم أرادوا جميع الكتب؛ كقول العرب: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الدراهم والدنانير. يدل عليه قوله تعالى:
فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتب
[البقرة: 213].
وقوله تعالى: ﴿ ورسله ﴾؛ قرأ الحسن: (ورسله) بسكون السين لكثرة الحركات؛ ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾؛ أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض. وفي مصحف عبدالله: (لا يفرقون بين أحد من رسله). وقرأ جرير بن عبدالله وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ويعقوب: (لا يفرق) بالياء، بمعنى لا يفرق الكل، ويجوز أن يكون خبرا عن الرسول. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القول؛ تقديره: قالوا لا نفرق، كقوله تعالى:
والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم
[الرعد: 23-24]؛ أي يقولون: سلام عليكم.
قوله عز وجل: ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾؛ أي سمعنا قولك وأطعنا أمرك. وقيل: معنى ﴿ وأطعنا ﴾ قبلنا ما سمعنا؛ بخلاف ما قالت اليهود. وقوله تعالى: ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾؛ أي اغفر غفرانك يا ربنا. وقيل: معناه: نسألك غفرانك. والأول مصدر، والثاني مفعول. وقوله تعالى: ﴿ وإليك المصير ﴾ أي نحن مقرون بالبعث. ومعنى قوله: ﴿ وإليك ﴾ أي إلى جزائك؛ وهذا كما قال عز وجل حكاية عن إبراهيم عليه السلام:
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
[الصافات: 99] أي إلى حيث أمر ربي.
قوله عز وجل: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾؛ قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (إلا وسعها) بفتح الواو وكسر السين على الفعل؛ يريد إلا وسعها أمره.
ومعنى الآية: ﴿ لا يكلف الله نفسا ﴾ فرضا من فروضها من صوم أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك من حديث النفس؛ إلا مقدار طاقتها كما قال صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين:
" صل قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك تومئ إيماء ".