تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واتخذ بنو إسرائيل الكتب. ولذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود. فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم خاصمت اليهود بذلك، فبرأ الله سليمان وأنزل هذه الآية. قوله تعالى: ﴿ وما كفر سليمن ﴾ أي بالسحر؛ فإن السحر كفر ﴿ ولكن الشيطين كفروا ﴾.

قرأ أهل الكوفة إلا عاصما؛ وأهل الشام بتخفيف النون ورفع الشياطين؛ وكذلك في الأنفال:

ولكن الله قتلهم

[الأنفال: 17]

ولكن الله رمى

[الأنفال: 17]. وقرأ الباقون بالتشديد ونصب ما بعده.

قوله تعالى: ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾؛ قال بعضهم: السحر: العلم والحذق بالشيء؛ قال الله تعالى:

وقالوا يأيه الساحر

[الزخرف: 49] أي العالم. وقال بعضهم: هو التمويه بالشيء حتى يتوهم أنه شيء ولا حقيقة له كالسراب عند من رآه، قال الله تعالى:

يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى

[طه: 66].

قوله تعالى: ﴿ ومآ أنزل على الملكين ببابل ﴾ ، محل (ما) نصب بإيقاع التعليم عليه، معناه: ويعلمون الذي أنزل على الملكين. ويجوز أن يكون نصبا بالاتباع؛ أي واتبعوا ما أنزل على الملكين. قرأ ابن عباس والحسن والضحاك ويحيى وابن كثير: بكسر اللام من (الملكين) وقال: هما رجلان ساحران كانا ببابل؛ لأن الملائكة لا يعلمون الناس السحر.

قوله تعالى: ﴿ ببابل ﴾؛ هي بابل العراق. قوله تعالى: ﴿ هروت ومروت ﴾ اسمان سريانيان؛ وهما في محل الخفض على تفسير الملكين بدلا منهما، إلا أنهما فتحا لعجمتهما ومعرفتهما. وكانت قصتهما على ما حكاه ابن عباس والمفسرون: أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة وذلك زمن إدريس عليه السلام، فعيروهم بذلك؛ وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم؛ فهم يعصونك! فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوا. فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك. قال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم؛ أهبطهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وماروت؛ وكانا من أعبد الملائكة وأصلحهم. فركب الله فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض؛ وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق؛ ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حق والزنا وشرب الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم، وصعد به إلى السماء.

قال قتادة: فما مر عليهما شهر حتى افتتنا، وذلك أنه اختصم إليهما ذات يوم الزهرة؛ وكانت من أجمل النساء، وكانت من أهل فارس، ملكة في بلدها. فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت؛ ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك، فأبت وقالت: لا؛ إلا أن تعبدوا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم؛ وتقتلا النفس؛ وتشربا الخمر. فقالا: لا سبيل إلى هذا، فإن الله تعالى نهانا عنها؛ فانصرفت. ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من الخمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها؛ فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله عظيم؛ وقتل النفس عزيز وأهون الثلاثة شرب الخمر؛ فشربا فانتشيا ووقعا بالمرأة وزنيا، فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه.

قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم. فمسخ الله عز وجل الزهرة كوكبا.

وقال السدي والكلبي: إنهما لما قالت لهما: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء؟ فقالا: بالاسم الأكبر. فقالت: ما أنتما مدركاني حتى تعلمانيه؟ قال أحدهما للآخر: علمها؟! قال: إني أخاف الله. قال الآخر: فأين رحمة الله؟ فعلماها ذلك فتكلمت به وصعدت إلى السماء؛ فمسخها الله كوكبا. فعلى قول هؤلاء: هي الزهرة بعينها، وقيدوها فقالوا: هي الكوكب الأحمر.

يدل على صحة هذا القول ما روي عن علي رضي الله عنه قال:

" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى سهيلا قال: لعن الله سهيلا إنه كان عشارا باليمن، وإذا رأى الزهرة قال: لعن الله الزهرة، فإنها فتنت ملكين "

التفسير الكبير · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٦٦