تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله عز وجل: ﴿ فليستجيبوا لي ﴾؛ أي فليجيبوا لي بالطاعة؛ يقال: أجاب واستجاب بمعنى. قال الشاعر:

وداع دعاء من يجيب إلى النداء

فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وقال رجاء الخرساني: (معناه فليدعوني). والإجابة من الله تعالى الإعطاء؛ ومن العبد الطاعة. وفي بعض التفاسير: الاستجابة أن تقول في بعض صلاتك: لبيك اللهم لبيك... إلى آخر التلبية.

وقوله تعالى: ﴿ وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ﴾؛ الإيمان أن تقول: آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت؛ وعدك حق؛ ولقاؤك حق؛ وأشهد أنك واحد فرد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؛ وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها؛ وأنك تبعث من في القبور.

قال ابن عباس: (ما تركت هذه الكلمات بعد صلاة بعدما نزلت هذه الآية). قال الكلبي: (ما تركتها منذ أربعين سنة). فعلى هذا معنى الاستجابة: الإجابة بالطاعة والانقياد في كل ما ألزمه؛ وقوله: ﴿ لعلهم يرشدون ﴾ أي ليكونوا على رجاء الرشد في مصالح الدنيا والآخرة.

2.187

قوله عز وجل: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم ﴾؛ قال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر أحل له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء الأخيرة أو ترقد قبلها، فإذا صلى العشاء ورقد قبل الصلاة ولم يفطر، حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من القابلة. ثم

" إن عمر رضي الله عنه واقع أهله بعدما صلى العشاء؛ فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا رسول الله، إني أعتذر إليك وإلى الله من نفسي هذه الخاطئة، إني راجعت أهلي بعدما صليت صلاة العشاء الأخيرة؛ فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي، فهل لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما كنت جديرا بذلك يا عمر! " فقام رجال فاعترفوا بالذي كانوا صنعوا بعد العشاء "

، فنزلت في عمر وأصحابه ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم ﴾ أي أبيح لكم ليلة الصيام الرفث.

قرأ ابن مسعود والأعمش: (الرفوث) برفع الواو والفاء وبواو. والرفوث والرفث كناية عن الجماع. قال ابن عباس: (إن الله حيي كريم؛ فكل ما ذكر الله تعالى في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول، فإنما يريد به الجماع). قال الشاعر:

فضلنا هنالك في نعمة

وكل اللذاذة غير الرفث

وقال القتيبي: (الرفث هو الإفصاح عما تحب أن يكنى به عن ذكر النكاح؛ وأصله الفحش والقول القبيح). وقال الزجاج: (الرفث كل كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء).

قوله عز وجل: ﴿ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾؛ أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن؛ قاله أكثر المفسرين. ونظيره قوله تعالى:

وجعلنا اليل لباسا

[النبأ: 10] أي سكنا، ودليله قوله تعالى:

وجعل منها زوجها ليسكن إليها

[الأعراف: 189].

وقال أهل المعاني: اللباس: الشعار الذي يلي الجلد من الثياب؛ فسمي كل واحد من الزوجين لباسا؛ لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد؛ وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه. وقال بعضهم: يقال: لما ستر الشيء وواراه لباسا، فجاز أن يكون كل واحد منهما لصاحبه سترا عما لا يحل، كما روي في الخبر

" من تزوج فقد أحرز نصف دينه ".

قوله عز وجل: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾؛ أي علم الله أنكم كنتم تظلمون أنفسكم بمعصيتكم وجماعكم بعد العشاء الأخيرة في ليالي الصوم فتجاوز عنكم ولم يعاقبكم على ذلك وعفا عنكم ذنوبكم. قوله تعالى: ﴿ فالآن بشروهن ﴾؛ أي جامعوهن في ليالي الصوم فهو حلال لكم. سميت المجامعة مباشرة؛ لتلاصق بشرة كل واحد منهما لصاحبه.

وقوله تعالى: ﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾؛ أي واطلبوا ما قضى الله لكم من الولد. قال مجاهد: (إن لم تلد هذه فهذه). وقال ابن زيد: ((وابتغوا ما كتب الله لكم) أي " ما " أحل لكم من الجماع). وقرأ معاذ بن جبل: (وابتغوا ما كتب الله لكم من الاتباع) يعني ليلة القدر، وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عباس. وقرأ الأعمش: (وأتوا ما كتب الله لكم) أي افعلوا.

التفسير الكبير · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٢٧