وقال مقاتل: ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي زين لهما الباطل. فدلاهما بغرور؛ الغرور ما تقدم ذكره بقوله لهما: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾. وفي بعض الروايات: أن آدم عليه السلام كان يقول وقت توبته: ما ظننت يا رب أن أحدا يجرأ فيحلف باسمك كاذبا.
قوله تعالى: ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ﴾؛ فيه دليل أنهما لم يبالغا في الأكل، ولكن لما وصل إلى جوفهما تهافت عنهما لباسهما، وظهر لكل منهما عورة صاحبه فاستحيا، ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾؛ أي عمدا فأخذ يلزقان عليهما من ورق التين.
والخصف: الإلزاق بعضه إلى بعض، كما يعمل الخصاف الذي يرقع النعل. ومعنى (طفقا) أخذا في العمل، يقال: بات يفعل كذا إذا فعله ليلا، وظل يفعل كذا إذا فعله نهارا، وطفق يفعل كذا إذا فعل في أي وقت كان.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن آدم كان رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس، فلما وقع بالخطيئة بدت سوأته وكان لا يراها، فانطلق هاربا في الجنة، فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره، قال لها: أرسليني! فقالت: لست مرسلتك. فناداه ربه: يا آدم؛ أمني تفر؟ قال: لا، ولكن استحييت "
وقال ابن عباس: (قال الله: يا آدم، ألم يكن لك فيما أبحت لك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: بلى، ولكن وعزتك ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا. قال: فوعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا بكد. فأهبط إلى الأرض هو وحواء، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وزع، وسقى وحصد، ثم درس وروى، ثم طحن، ثم عجن، ثم خبز، ثم أكل. فلم يبلغ إلى الأكل حتى بلغ ما شاء الله أن بلغ).
قوله تعالى: ﴿ وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين ﴾؛ قال محمد بن قيس: (ناداه ربه: يا آدم، لم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: يا رب؛ أطعمتني حواء. قال: يا حواء؛ لم أطعمته؟ قالت: أمرتني الحية. فقيل للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس. قال الله تعالى: أما أنت يا حواء؛ فكما أدميت الشجرة تدمين كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك، فتمشين في التراب على وجهك، وسيشرخ رأسك كل من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون مدحور).
قوله عز وجل: ﴿ قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا ﴾؛ أي ضررناها بالمعصية، وهذا اعتراف بالخطيئة على أنفسهما، ﴿ وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴾؛ بالعقوبة.
قوله تعالى: ﴿ قال اهبطوا ﴾؛ أي قال اهبطوا من الجنة إلى الأرض، ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ ، أي في حال عداوة، ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع ﴾؛ أي ولكم في الأرض مستقر ومنفعة، ﴿ إلى حين ﴾؛ أي إلى منتهى آجالكم. قوله تعالى: ﴿ قال فيها تحيون ﴾؛ أي في الأرض تعيشون، ﴿ وفيها تموتون ﴾؛ وفي الأرض تقبرون، ﴿ ومنها تخرجون ﴾؛ أي من قبوركم للبعث.