والغرب، وفرح به العرب والعجم من المسلمين، واغتم له دعاة التفريق
والتعادى من المفسدين.
فما عدا مما بدا؟
ما هذه الصيحة التي أفزعت المجامع؟ ما هذه الصرخة التي مزقت المسامع؟
ما لنا نسمع في هذا الأسبوع أن زحوف الأمير أحمد سيف الإسلام القائد العام
لليمن قد استولت عنوة على مقاطعة نجران، واقتحمت حدود العسير بعد خيبة الوفد
السعودي الذي يقيم لدى الإمام العظيم منذ شهور للمفاوضة في عقد معاهدة ودية
حلفية بين المملكتين تحد الحدود، وتسد ذرائع الخلاف، وتحول دون أسباب الشقاق،
بل توحد قوى الدولتين وتضمن تكافلهما وتعاونهما على حفظ مهد الأمة العربية
وقلب الإسلام وقبلته، وحرم الله وحرم رسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى
آله وصحبه، وسائر المعتصمين بحبل الله وحبله.
قد يدل على كذب الخبر من أصله أو على المبالغة فيه ما اشتهر عن الإمام
الهمام من تقوى الله وحفظ حدوده وكراهة سفك الدماء، ومن ترجيح السياسة السلبية
على الإيجابية ما لم تلجئ الضرورة إلى الثانية، ومن الأناة وطول التروي في
الأمور، ومن الحذر الشديد من فتح أصغر المنافذ للنفوذ الأجنبي في بلاده فهو لم
يتورط إلا في الاتفاق المعلوم مع دولة إيطالية، ولكن هذا الاتفاق علمه ما لم يكن
يعلم فاشتد حذره وتضاعف، ثم إنه يعلم مع هذا أن الخطر على بلاده أشد من
الخطر على المملكة السعودية لمواقع ثغورها على البحر الأحمر، ولأن ينابيع
الثروة فيها أغزر، وليس لها من مناعة القداسة الدينية ما لجارتها الحجاز.
ولكنه يطمع في ضم عسير إلى اليمن، ويجد من دعاة الفتن خصوم الملك
السعودي من يزينون له هذا الطمع، ويسمونه حقا من حقوقه؛ لأنها -بزعمهم-
مرسومة في مصور تخطيط البلدان من اللوح المحفوظ من توابع المملكة اليمانية
الإمامية فلهذا يتريث بل يمتنع عقد المحالفة السياسية العسكرية الجغرافية مع ملك
المملكة العربية السعودية على علمه بشدة الحاجة بل الضرورة الداعية إليها.
فإذا كان نبأ هذه الصيحة الجديدة صحيحا وأن اليد العاملة في محاولة
الاستيلاء على عسير كلها أو بعضها بعد الاستيلاء على نجران هي يد ولي العهد
الشاب العسكري المتوثب. فالمعقول أن يكون قد زين للإمام الحكيم المتقي أن
الفرصة الآن سانحة لتحريض قبائل عسير المجاورة لليمن على تجديد الثورة ببذل
شيء من المال لهم، وقد ضعفت القوات السعودية من البلاد بعد إخماد نار الثورة
والتنكيل بمضرميها، فإذا احتل الجيش المتوكلي ما يريد احتلاله من البلاد يرى
الملك عبد العزيز نفسه أمام أمر واقع، فيضطر إلى الاعتراف به وبناء الاتفاق
عليه، كما حكم على نفسه بالتخلي عن جبل العرو من قبل. ولما هو عليه من
العسرة المالية التي تحول دون تجهيز جيش عرمرم يكافح به الثورة الجديدة وما
وراءها من الجيش اليماني، مع شدة حرصه على اتفاق الحكومتين.
هذا أقرب ما نعقله لإرضاء الإمام الحكيم العليم بالإقدام على هذا العدوان
الشديد الخطر، الذي يستهدف البادئ بالشر فيه لسخط الأمة العربية كلها والعالم
الإسلامي كله ولسخط الله تعالى فوق كل شيء.
إذا فرضنا أن الإمام يحيى لا يبالي سخط المسلمين البعيدين ولا العرب
القريبين، أو لا يصدق أنهم يسخطون للتعادي والتقاتل الذي يضعف هذه البقية من
البلاد العربية، فهل يجهل أن الله تعالى يسخطه أن يسفك دماء المسلمين لأجل
توسيع مملكته على سعتها، وقابليتها لعمران عظيم يغنيه عن زيادة مساحتها؟ أم هل
يجهل سوء عاقبة هذا القتال، وما يستلزمه من ألوف الرجال وبدر الأموال، التي
لا يمكن تعويضها إلا في زمن طويل؟ كلا إنه ليعلم حق العلم كل ما ذكر، وإنه
ليعلم أن هذا التعادي والاقتتال خطر عليه وعلى أمته ومهد دينه، وأن الملك
السعودي ليعلم هذا حق العلم، وإنما قللنا من ذكره في هذا التذكير؛ لأن الذي روي