تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهزيل من الضعف وتصلب الشرايين، فكانت طيارته كأنها تحمل روحا من علو

الهمة وحب القومية، أو كأن هذا الروح هو الذي يحملها فحط رحاله في عمان من

شرق الأردن فالقدس فمصر، وكان يلقى في كل مكان من حفاوة المستقبلين

والمودعين، ما لم يعهد مثله فيما سلف من السنين، إلا عند دخوله الشام فاتحا، ثم

عند تتويجه فيها ملكا، وصرح له كل من استقبله من العرب الفلسطينيين

والسوريين أنه مناط آمالهم في الدفاع عنهم، والسعي لكشف ما حل من الظلم

والهضم والقهر الاستعماري ببلادهم، فوعدهم خيرا، بل قدمت إليه عشرات من

وثائق التوكيل الرسمي عليها توقيع الجم الغفير من السوريين في ذلك.

وما كاد يستريح من وعثاء السفر في سويسرة حتى حدثت في العراق فتنة

خروج الأشوريين على حكومته، وإيقاد نيران الثورة عليها بمساعدة السلطة

العسكرية الفرنسية في مصر لها، وإظهار الجرائد الإنكليزية في بلاده لمظاهرتهم

والدفاع عنهم، والطعن على حكومة العراق وإنذارها سوء العاقبة على ما تصدت له

من تأديبهم.

فكر راجعا من سويسرة إلى العراق طائرا بذلك الروح القوي القادر،

المتواري في ذلك الشخص الشخت الضامر، الذي يصارع الخطوب، ولا يشكو

الأين واللغوب، حتى كأنه لا يشعر بالكلال والإعياء، فتولى تلافي ثورة

الأشوريين بتدبيره الحكيم، ورأيه الحازم السديد، وعاد أدراجه على طيارته من

بغداد إلى أوربة، فأقنع أولي الأمر في إنكلترة بما لحكومة العراق من الحق في

تأديب هؤلاء الثوار، وبما لها هي من المصلحة في تأييدها لها، وفي كف تحامل

الجرائد الإنكليزية عليها، وخطلها في تهديد حكومتها، ثم في نصرها عند عرض

المسألة على جمعية الأمم.

بعد هذا الجهاد العنيف والكفاح في كارثة العراق التي تصدت فرنسة لإثارتها

وإثارة تعصب أوربة الديني بها على استقلاله، لإحباط السعي لاتحاد سورية به،

تضاءل جسد فيصل وانحطت قواه البدنية عن حمل قواه الروحية والعقلية، فأراد

أن يستريح ويستسلم لمعالجة الأطباء، وأراد القدر المحتوم أن يخطئ في استراحته

ومعالجته، بقدر ما وفق وأصاب في سياسته، فكان توقله في الحبل للرياضة خطأ

مضنيا، وتداويه بالحقن غير الموافق لمرضه خطأ مرديا، فقضيا عليه في يوم

وليلة قضاء مبرما، فسبحان الحي الذي لا يموت {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا

وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} (لقمان: 34) إنا لله وإنا

إليه راجعون.

هذه خاتمة جهاد فيصل وخاتمة عمره، قد أظهرت للعالم كله ما لم يكن يعلمه

إلا الأفراد من علو همته، وتفانيه في توطيد استقلال دولته، وتمهيد السبيل لتوحيد

أمته، هذا ما تجلى لقومه ووطنه فيه من عمل، وما تجدد لهم به من أمل، عرفه

من كان ينكره، وأكبره من كان يستصغره.

وليس من موضوع المنار تلخيص أمثال هذه الأخبار الطولى من الصحف

اليومية، فليس المنار بمجلة تاريخ وأخبار، وإنما هي صحيفة ذكرى واعتبار،

وعلم وإصلاح ديني واجتماعي، وسيجمع الناس بعض ما نشر في الصحف العربية

من تأبين فيصل ورثائه، ووصف مآتمه وعزائه، وتفصيل تاريخه في أسفار لا في

سفر واحد.

وستقام له حفلات تأبين ورثاء لذكرى يوم الأربعين وغيره في بغداد وعمان

والقدس والشام ومصر وغيرهن من الأمصار، على أن السابقين إلى ذلك لم يتركوا

لأنفسهم ولا لغيرهم مقالا جديدا، فقد غلوا في الشعريات غلوا كبيرا، فماذا عسى

أن يقول المقتصد خلقا ودينا، وأي تأثير يكون لقوله في أمثال هذه المجامع في هذه

الكارثة؟ ألا إنني قد دعيت إلى حضور ما ذكرت من الأمصار وإلى غيرها، أو

إرسال شيء يقال فيها، وإني لمعتذر لما عدا حفلة القاهرة منها، ولمعترف بعجزي

عن وصف هذه الفجيعة بفيصل بالوصف المحيط بها، ولمرجئ ما أراه من الواجب

علي من الاعتبار الإصلاحي بها إلى جزء آخر.

بيد أني أشهد في هذا التأبين الوجيز أن الأمة العربية خسرت بفقد الملك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٦٣