تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غضب حفصة لاجتماعه بها في بيتها فاسترضاها بتحريمها عليه وأمرها أن تكتم

الخبر فأفشته لعائشة، وروي أنه أسر إليها حديثا آخر في مسألة الخلافة وتظاهرتا

- أي تعاونتا - عليه في ذلك، وفيهما نزل قوله تعالى معاتبا له ومنذرا لهن:

{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور

رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر

النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه

وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * إن

تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل

وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا

خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا} (التحريم: 1-5) .

حاصل معنى الآيات أنه لا ينبغي لك أيها النبي أن تبالغ في مرضاة أزواجك

فتبلغ منها أن تحرم لأجلهن ما أحل الله لك، والله غفور رحيم، غفر لك هذه فلا

تعودن إلى مثلها، وإن الله قد شرع لكم كفارة أيمانكم ومنها يمين تحريم المرأة أو

الأمة، فهو كاليمين بالله تعالى - أي يكفره إطعام عشرة مساكين مرة واحدة أو

كسوة كل منهم ثوبا أو عتق رقبة، فمن لم يستطع إحدى هذه الثلاث وهو مخير فيها،

فصيام ثلاثة أيام - والله هو العليم بأفعالكم ونياتكم فيها الحكيم بما يشرعه لكم فيما

يعرض لكم من مقتضى الطباع البشرية فيربيكم به ويزكيكم، ثم ذكر ذنب التي

أفشت سره صلى الله عليه وسلم وهي حفصة بما هو ظاهر المعنى في الجملة،

وليس تفصيله من موضوع هذه الرسالة، وأرشدها هي والتي أفشت لها السر وهي

عائشة إلى التوبة من ذنبهما وما صغت أي مالت إليه قلوبهما، ووافق أهواءهما من

تلك الواقعة، وأنذرهما إن أصرتا على التظاهر، أي التعاون والتمالؤ على الرسول

صلى الله عليه وسلم بأن الله هو مولاه الذي ينصره ويتولاه في كل أمر وكذلك

جبريل وصالحو المؤمنين، والمراد بهم هنا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما،

والملائكة بعد ذلك كله يظاهرونه ويؤيدونه صلى الله عليه وسلم، ثم هددهما بأن

الرسول إذا طلقهما وسائر أزواجه المتحزبات عليه؛ فإن الله يبدله خيرا منهن في

كل ما يتفاضل به النساء عنده من صفات الكمال، ولو كان صلى الله عليه وسلم

يهمه التمتع الجسدي لوصف الله البدل بصفات الحسن والجمال؛ ولكنه لم يكن

يحفل به، ولو لم يكن نقصا في نفسه.

37- غضبه صلى الله عليه وسلم على أزواجه

وإيلاؤه منهن شهرا فتخييره إياهن بين الطلاق

وبقاء الزوجية المرضية لله ولرسوله

علمنا من الشواهد الصحيحة التي رويناها في حسن عشرة النبي صلى الله

عليه وسلم لأزواجه بما هو أعلى من المعروف من عدل وحلم ولطف، وصبر على

تغايرهن وائتمارهن؛ ليكون أسوة حسنة لرجال أمته ولا سيما المهاجرين في ذلك،

وعلمنا أنه آل أمرهن إلى الائتمار بينهن والتظاهر عليه واستباحة الكذب وإفشاء

السر، وكدن يكن أسوة سيئة لنساء المؤمنين، على خلاف ما يراد من تربية

الرسول لهن ليكن قدوة صالحة لهن، وكان قد اضطرب أمر النساء مع الرجال إذ

زادت جرأتهن عليهم بتأثير ما أعطاهن الإسلام من الحقوق، وما أوصى بهن النبي

صلى الله عليه وسلم من التكريم حتى إنه قد اجتمع عند نسائه صلى الله عليه وسلم

مرة سبعون امرأة كل تشكو زوجها، فلما انتهى نساؤه معه إلى هذا الحد مع العدل

الكامل، واللطف الشامل، غضب غضبة الحليم، وحلف أن لا يقربهن شهرا،

واعتزلهن كلهن تربية لهن، ولا تتم التربية إلا بوضع الحلم في موضعه والغضب

في موضعه، وإنني أستخلص من الصحيحين خبر غضبه وحلفه هذا بما فيه زيادة

البيان لما كان عليه حال النساء في أول الإسلام، وأبدأ بسياق مسلم فأقول:

روى مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عباس قال: (مكثت سنة وأنا أريد أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٠٨