في معاشرتها بالمعروف ولا تطلقها] وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس [
أن يقولوا تزوج امرأة ابنه أو متبناه] والله أحق أن تخشاه [ولا تبالي بما يقول
الناس في تنفيذك لشرعه وإقامتك لدينه] فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها [
الوطر: الحاجة المهمة أو التي ليس بعدها مأرب، وقضاؤه إياه عبارة عن
تطليقها بمحض إرادته ورغبته؛ لأنه لم يبق له حاجة فيها، ولا رجاء في معاشرتها
بالمعروف، وتنكير (الوطر) هنا دون إضافته إلى زيد للدلالة على أنه شيء أراده
الله تعالى منه وسخره له، وهذا من دقائق البلاغة في تحديد المعاني باللفظ المفرد
النكرة، وقوله تعالى:] زوجناكها [نص في أن هذا التزويج كان من الله تعالى لما
ذكر من حكمة التشريع فيه، ولم يكن برغبة النبي صلى الله عليه وسلم وميله.
وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم لم يعقد عليها كما عقد على سائر أزواجه؛
لأن تزويج ربه إياه بها أقوى وأثبت، والعقد بعده لغو لأنه تحصيل حاصل.
ثم قال: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم﴾ (الأحزاب:
37) وهو تصريح بعلة تزويجه إياها، أي: لأجل أن لا يجد أحد من المؤمنين
في نفسه أدنى ضيق صدر ولا مبالاة بلوم في التزوج بنساء أدعيائهم بالتبني،
وكفى برسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك] إذا قضوا منهن وطرا [
فطلقوهن بإرادتهم لعدم بقاء شيء من الرغبة لهم فيهن كما فعل زيد] وكان أمر الله
مفعولا [أي: وكان قضاؤه في التكوين والتشريع نافذا لا مرد له، ولا رأي لأحد
فيه.
ثم أكد الله تعالى هذا الأمر برفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛
لأنه هو الذي قضاه واختاره له، فما كان له أن يختار لنفسه غيره، ولا أن يخشى
غير الله في تنفيذه، وأن تلك سنته تعالى في رسله بما يبلغون من رسالته وينفذون
من أحكامه ويخشونه ولا يخشون غيره فقال:
{ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من
قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا * الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون
أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} (الأحزاب: 38-39) أي ما كان عليه صلى الله
عليه وسلم وهو نبي الله ورسوله أدنى حرج وضيق فيما فرضه وقسمه الله من مثل
هذا الزواج من التشريع وتنفيذ الأحكام وفاقا لسنته تعالى في إخوانه النبيين الذين
خلوا من قبله، وكان أمر الله الذي يريده من إقامة شرعه يجري على حكم القدر
وهو النظام والتقدير الذي يكون به المسبب على قدر السبب، والمعلول تابعا للعلة،
كما وقع في إبطال التبني، ولما كان هذا من تبليغ الرسالة الإلهية كان من شأن
رسل الله أن يخشوا الله ولا يخشوا أحدا غيره في تبليغ رسالته، وكفى بالله رقيبا
عليهم ومحاسبا لهم، فلا يبالون بغيره.
وقفى على هذا بنفي أبوة محمد صلى الله عليه وسلم لزيد ولغيره، والرد على
من قالوا إنه تزوج حليلة ابنه، كما رواه الترمذي عن عائشة تأكيدا لما بينه في أول
السورة من نفي بنوة الأدعياء والأمر بنسبتهم إلى آبائهم، أو وصفهم بأخوة الدين
وولاية العتق فقال: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم
النبيين وكان الله بكل شيء عليما} (الأحزاب: 40) .
فرية لبعض الرواة في تفسير
﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (الأحزاب: 37)
لقد كان من مثار العجب، وغرائب سفاه العقل وسوء الأدب، أن خطر لبعض
وضاع الحديث، وصناع الروايات في التفسير، أن يحرف هذه الآيات الجلية كلها
عن مواضعها، ويحملها على غرض ينأى عنه منطوقها، ويتبرأ منه مفهومها،
وتأباه حكمة التشريع فيها، ويستلزم الطعن بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، والنيل من خلق رسول الله وأدبه، الذي قال الله له فيه:
﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (القلم: 4) فاخترع لها خبرا زعم فيه أن النبي صلى الله
عليه وسلم مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع في قلبه منها شيء فقال: