تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد النبوة وأن أباه أسلم؛ ولكن هذه الرواية لا تصح.

ومن تدبر خبر اختيار زيد بن حارثة للرق عند محمد صلى الله عليه وسلم

على الحرية عند أبيه وقومه - وهو كخديجة أعلم الناس بأخلاقه وأعماله - يحكم

حكما عقليا وجدانيا بأن محمدا كان من قبل النبوة آية من أكبر آيات الله تعالى في

فضائله وآدابه، فكيف يكون بعدها؟ وإذا كان بعض علماء الإفرنج يستدل بإيمان

خديجة به وتقديسها لفضائله وفواضله من قبل البعثة على أنه كان صادقا في دعوى

النبوة، لا طالبا لمنفعة أو رياسة، فأحرى بهم أن يعدوا إيثار زيد له على حريته

وأبيه وأمه وعشيرته برهانا مثل ذلك البرهان على صدقه صلى الله عليه وسلم

وكماله بل أظهر منه.

تضاعف حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بهذا الإيثار وأعتقه وتبناه،

وكان التبني أعظم شيء مستطاع في تكريمه وتعظيم قدره، وقد كان يلقب بحب

رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حبيبه، وفي صحيح مسلم: أن عبد الله بن

عمر كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن

﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ (الأحزاب: 5) وفي الصحيحين عن ابن

عمر أنه سمع يقول: بعث رسول الله بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس

في إمرته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن تطعنوا في إمرته فقد

كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقا للإمرة، وإن كان لمن

أحب الناس إلي، وإن هذا من أحب الناس إلي من بعده) وفي رواية لمسلم أنه قال

هذا على المنبر، وأن لفظه في زيد وابنه (وأيم الله إن كان لأحب الناس إلي) .

وروي عن الشعبي أنه قال: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قط

وفيهم زيد بن حارثة إلا وأمره عليهم، أقول وإنما طعن بعض الناس في إمارة زيد

على السرايا؛ لأنه كان عتيقا فكيف يقدمه على كبراء المهاجرين والأنصار؟ وأما

طعنهم في إمارة ولده حارثة بعده فلأنه كان صغير السن لم يبلغ العشرين؛ ولكن

هذا من أفضل سياسته صلى الله عليه وسلم في خفض استعلاء العصبية وكبرياء

النسب (الأرستقراطية) .

بعد هذه المقدمة أقول: لما أراد الله تعالى أن يبطل دعاية التبني وأحكامها

الجاهلية أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يزوج زينب بنت جحش بن رباب بنت

عمة النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب - لزيد بن حارثة مولاه، وهو

عز وجل يعلم أنهما لا يتفقان على هذه الزوجية؛ لأنها تتكبر عليه بالطبع، وهو

عزيز النفس لا يحمل ذل الكبرياء عليه.

فذهب صلى الله عليه وسلم إلى زينب فقال: (إني أريد أن أزوجك زيد بن

حارثة فإني قد رضيته لك، قالت: يا رسول الله ولكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم

قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل، فنزلت الآية: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا

قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد

ضل ضلالا مبينا} (الأحزاب: 36) .

فقالت زينب للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها

زيدا ودخل عليها، فكانت تغلظ له القول وتتعظم عليه بالشرف فيذهب إلى النبي

صلى الله عليه وسلم شاكيا منها ويستأذنه في طلاقها، فيقول له صلى الله عليه وسلم

أمسك عليك زوجك واتق الله) وهو يعلم أنه لا بد له من طلاقها، وأن الله يأمره

بالتزوج بها بعده إبطالا لبدعة التبني وما كان من تحريم الجاهلية لامرأة الدعي

كامرأة الابن الحقيقي؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يظهر له ولا لغيره،

وكان بمقتضى الشعور الطبيعي يخشى ما يقوله الناس ولا سيما المشركين، إن

محمدا تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله: {وإذ تقول للذي أنعم الله

عليه وأنعمت عليه} (الأحزاب: 37) أي واذكر أيها الرسول إذ تقول للذي أنعم

الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق والإكرام] أمسك عليك زوجك واتق الله [

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٠٠