تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقالت له أمه يوما: إن أباك ورثك عجلة، وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها الله، فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن يردها عليك؛ فإن من علامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها.

فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى؛ فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه؛ فقبض على عنقها وقادها. فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى؛ وقالت: أيها الفتى البار بوالديه! اركبني فإن ذلك أهون عليك. قال: إن أمي لم تأمرني بذلك! ولكن قالت: قودها بعنقها، فقالت: وحق إله بني إسرائيل؛ لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقطع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك!

فجاء بها إلى أمه فقالت: له: يا بني إنك فقير؛ وشق عليك الاحتطاب بالنهار؛ والقيام بالليل، فاذهب وبع هذه البقرة فخذ ثمنها. فقال: بكم؟ فقالت: بثلاثة دنانير؛ ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي! وكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير.

فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله ملكا في صورة بشر ليختبر كيف بر الفتى بوالديه! فقال الملك بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير؛ وأشرط عليك رضى والدتي. فقال الملك: بستة دنانير؛ ولا تستأذن أمك. فقال: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضاء والدتي! فردها إلى أمه. فقالت: بعها بستة دنانير على رضى مني. فانطلق بها وقال للملك: إنها أمرتني أن لا أنقصها من ستة دنانير على أن أستأمرها. فقال: الملك: أنا أعطيك اثنى عشر على أن لا تستأمرها، فأبى، ورجع إلى أمه فأخبرها بذلك. فقالت: يا بني إن الذي يأتيك ملك في صورة بشر؛ فقل له: أتأمرنا أن نبيعها أم لا؟ فأتى إليه؛ فقال له ما قالت أمه. فقال له: اذهب إلى أمك وقل لها: أمسكي هذه البقرة، فإن موسى يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل، فلا تبيعوها إلا بملئ مشكها ذهبا. وقدر الله على بني إسرائيل ذبحها مكافأة له على بر والديه فضلا منه ورحمة).

وروي أنها كانت لرجل يبيع الجوهر، فجاءه إبليس بجراب من اللؤلؤ يساوي مائتي ألف، فعرضه عليه بمائة ألف، فوجد الجوهري المفتاح تحت رأس أبيه وهو نائم، وقال: كيف أوقظ أبي لربح مائة ألف؟! فكره أن يوقظه، فرجع وقال: إن أبي نائم والمفتاح تحت رأسه. فقال له إبليس: إذهب أيقظه فأنا أبيعك بخمسين ألفا. فذهب فلم يحتمل قلبه ذلك، فرجع، فلم يزل إبليس يحط من الثمن حتى بلغ عشرة دراهم، فلم يوقظ أباه وترك الشراء، فجعل الله في ماله البركة حتى اشتروا بقرته بملئ مشكها ذهبا.

قوله عز وجل: ﴿ قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ﴾؛ وفي مصحف عبدالله: (سل لنا ربك يبين لنا). ومعنى الآية: ﴿ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ﴾ سنها؟. ﴿ قال ﴾ موسى: ﴿ إنه ﴾ يعني الله عز وجل ﴿ يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ﴾ لا كبيرة ولا صغيرة. وارتفع ﴿ فارض ﴾ و ﴿ بكر ﴾ بإضمار (هي)؛ أي لا هي فارض ولا هي بكر.

قال مجاهد والأخفش: (الفارض: الكبيرة المسنة التي لم تلد. والبكر: الفتية الصغيرة التي لم تلد). قال السدي: (البكر: التي لم تلد قط إلا واحدا). وقيل: معناه لا فارض؛ أي ليست بكبيرة قد ولدت بطونا كثيرة، ولا بكرا؛ أي لم تلد.

قوله تعالى: ﴿ عوان بين ذلك ﴾؛ أي وسط بين الصغيرة والكبيرة قد ولدت بطنا أو بطنين؛ وجمعها عون. قوله تعالى: ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾؛ أي افعلوا ما تؤمرون به من الذبح، ولا تكثروا السؤال.

ثم عادوا في السؤال ف: ﴿ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ﴾؛ موضع ﴿ ما ﴾ رفع بالابتداء؛ و ﴿ لونها ﴾ خبره. وقرأ الضحاك: (ما لونها) نصبا كأنه أعمل فيه التبيين وجعل ﴿ ما ﴾ صلة. ﴿ قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها ﴾؛ قيل: يعني سوداء مثل قوله:

التفسير الكبير · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٤٥