قال قوم: لو كلف الله العباد فوق وسعهم لكان ذلك له؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، ولكنه أخبر أنه لا يفعله.
قوله تعالى: ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ يعني النفس لها جزاء ما عملت من الخير والعمل الصالح؛ أي لها أجره وثوابه؛ وعليها وزر ما اكتسبت من المعصية والعمل السيء لا يؤاخذ أحد بذنب أحد؛ ولا تزر وازرة وزر أخرى.
والفرق بين الكسب والاكتساب: أن الكسب فعل الإنسان لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يفعله لنفسه خاصة. وقيل: لا فرق بينهما في اللغة. فعلى القول الأول وصف المسيء بالاكتساب؛ لأن وزره لا يعدوه؛ ومعصيته لا تضر غيره، ووصف المحسن بالكسب؛ لأن غيره يشاركه في ثوابه بالهداية والشفاعة.
قوله تعالى: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ﴾؛ أي لا تعاقبنا إن نسينا طاعتك أو أخطأنا في أمرك. وقال الكلبي: (إن جهلنا أو تعمدنا)، فذهب إلى الخطأ الذي هو ضد الصواب لا ضد القصد. يقال: خطأ إذا تعمد؛ وأخطأ إذا سهى، وقد يقال: أخطأ إذا تعمد. وقيل: معنى الآية: إن تركنا أمرا أو اكتسبنا خطيئة.
والنسيان بمعنى الترك معروف في الكلام كما في قوله تعالى:
نسوا الله فنسيهم
[التوبة: 67] أي تركوا ذكر الله وأمره فتركهم في العذاب. والمراد بالمؤاخذة والنسيان سقوط الإثم في الآخرة. فأما في حكم الدنيا فلا يرتفع التكليف منه إذا ذكره بعد النسيان كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "
وكذلك الخطأ مرفوع الإثم في الآخرة وهو تأويل الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
فأما في أحكام الدنيا فيتعلق به الحكم؛ لأن الله نص على لزوم قتل الخطأ في إيجاب الدية والكفارة.
قال الكلبي: (كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطأوا عجلت لهم العقوبة، فيحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الدية، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم). وقال ابن زيد: (قوله تعالى: ﴿ إن نسينآ ﴾ شيئا مما افترضته علينا، ﴿ أو أخطأنا ﴾ شيئا مما حرمته علينا).
قوله عز وجل: ﴿ ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ﴾؛ أي لا تحمل علينا ثقلا؛ ويقال: عهدا؛ كما حملته على بني إسرائيل بجرم منهم أمرتهم بقتل بعضهم بعضا؛ وحرمت عليهم الطيبات بظلمهم، وكما كانوا مأمورين بأداء ربع أموالهم في الزكاة ونحو ذلك من الأمور التي كانت تثقل عليهم. ومنه قوله تعالى:
وأخذتم على ذلكم إصري
[آل عمران: 81] أي عهدي.
قوله تعالى: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾؛ أي لا تحملنا ما يشق علينا من الأعمال، وهذا كما يقال: لا أطيق كلام فلان، ولا أطيق هذا الأمر؛ أي لا أحمله إلا بمشقة.
هذا هو معنى الآية؛ لأن الله تعالى لا يكلف أحدا شيئا لا يكون ذلك في قدرته. وقيل: معناه: ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ من العذاب، وقيل: هو حديث النفس والوسوسة. وعن مكحول أنه (الغلمة). وعن بعضهم أنه كان يقول: اللهم أعذني وإخوتي من شر الغلمة، فإنها ربما جرت إلى جهنم. وقال ابن عبدالوهاب: (يعني العشق). وعن إبراهيم في قوله تعالى: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾: قال يعقوب: (يعني الحب).
وقال بعضهم: حضرت ذا النون المصري في مجلس له، فتكلم ذلك اليوم في محبة الله عز وجل، فمات أحد عشر نفسا في المجلس؛ فصاح رجل من المريدين فقال: ذكرت محبة الله، فاذكر محبة المخلوقين. فتأوه ذو النون تأوها شديدا وشق قميصه نصفين، وقال: آه.. علقت رهونهم؛ واستعبرت عيونهم؛ وخالفوا السهاد؛ وفارقوا الرقاد؛ فليلهم طويل؛ ونومهم قليل؛ أحزانهم لا تتغير؛ وهمومهم لا تفقد؛ باكية عيونهم؛ قريحة جفونهم.
وقال يحيى بن معاذ: (لو كانت العقوبة بيدي يوم القيامة لما عذبت العشاق؛ لأن ذنوبهم اضطرار لا اختيار). وقال بعضهم: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ يعني شماتة الأعداء؛ قال الشاعر: