وعن أبي زيد بن أسلم قال:
" لما نزل قوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ﴾ الآية، قال أبو الدحداح: فداك أبي وأمي يا رسول الله، إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض؟! قال: " نعم " ، يريد أن يدخلكم " الجنة " ، قال: فإني إن أقرضت ربي يضمن لي الجنة، قال: " نعم، من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة " ، قال: وزوجتي أم الدحداح معي؟ قال: " نعم " قال: وبنتي الدحداحة؟ قال: " نعم ". قال: والصبية معي؟ قال: " نعم ". قال: ناولني يدك، فناوله النبي صلى الله عليه وسلم يده المباركة، فقال: يا رسول الله، إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله ما أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعل إحداهما قرضا لله عز وجل، والأخرى لك ولعيالك " قال: إشهد يا رسول الله أني قد جعلت أحسنهما لله عز وجل، وهو حائط فيه ستمائة نخلة، قال: " إذن يجزيك به الله في الجنة ". قال: فانطلق أبو الدحداح حتى أتى أم الدحداح وهي مع أولادها في الحديقة تدور تحت النخلة فأنشأ يقول:
* هداك ربي سبل الرشاد * إلى سبيل الخير والسداد *
* بيني من الحائط بالوداد * فقد مضى قرضا إلى التناد *
* أقرضته الله على اعتمادي * بالطوع لا من ولا نكاد *
* إلا رجاء الضعف في المعاد * فارتحلي بالنفس والأولاد *
* والبر لا شك فخير زاد * قدمه المرء إلى المعاد *
قالت أم الدحداح: ربح بيعك، بارك الله لك فيما اشتريت. فأجابته أم الدحداح وأنشأت تقول:
* بشرك الله بخير وفرح * مثلك أدى ما لديه ونصح *
* إن لك الحظ إذ الحظ وضح * قد متع الله عيالي ومنح *
* بالعجوة السوداء والزهو البلح * والعبد يسعى وله ما قد كدح *
* طول الليالي وعليه ما اجترح *
ثم أقبلت أم الدحداح على أولادها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم وتطرح ما في ثيابهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال صلى الله عليه وسلم: " كم من عذق رداح ودار فياح في الجنة لأبي الدحداح " ".
قال أهل المعاني: في الآية اختصار وإضمار؛ تقديره: من ذا الذي يقرض عباد الله قرضا حسنا، وجاء في الحديث:
" إن الله تعالى يقول لعبده يوم القيامة: استطعمتك فلم تطعمني، واستسقيتك فلم تسقني، واستكسيتك فلم تكسني. فيقول العبد: وكيف ذلك يا سيدي! فيقول ربك: عبدي فلان الجائع وفلان العاري فلم يعد عليهم من فضلك، فلأمنعك اليوم فضلي كما منعتهم من فضلك ".
وقال يحيى بن معاذ: (عجبت لمن يبقي له مالا ورب العرش يستقرضه). وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" رأيت على باب الجنة مكتوبا: القرض بثمانية عشر، والصدقة عشرة. فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أكثر جزاء. قال: لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا محتاجا وربما وقعت الصدقة في غير أهلها "
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أقرض أخاه المسلم، فله بكل درهم وزن ثبير وطور سيناء حسنات "
وهما جبلان.