" عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بينما أنا مضطجعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة إذ حضت، فانسللت منها وأخذت ثياب حيضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنفست؟ " قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة ".
وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: [كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ونحن جنبان؛ وكنت أغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد وأنا حائض؛ وكان يأمرني إذ كنت حائضا أن أتزر ثم يباشرني].
وسئلت عائشة رضي الله عنها: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: (نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني فآكل معه وأنا عارك؛ وكان يأخذ العرق فيضعه على فيه؛ وأغترف به ثم أضعه، فيأخذه ويشرب منه ويضع فمه حيث وضعت من المعدن، ويدعو بالشراب فيشرب ثم آخذ القدح فأشرب منه، ثم أضعه فيأخذه فيشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح).
فدلت هذه الآية أن المراد الاعتزال من الحيض جماعهن، وذلك أن اليهود والمجوس كانوا يجتنبون الحيض في كل شيء؛ وكانت النصارى يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فأمر الله تعالى بالاقتصاد بين هذين الآمرين (وخير الأمور أوسطها). قال أنس رضي الله عنه:
" لما أنزل الله تعالى: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ﴾ الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افعلوا كل شيء إلا الجماع " فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ".
قوله تعالى: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ قرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: (يطهرن) بالتشديد؛ أي يغتسلن؛ يدل عليه قراءة عبدالله (حتى يتطهرن) بالتاء على الأصل. وقرأ الباقون (يطهرن) مخففا؛ أي حتى يطهرن من حيضهن وينقطع الدم.
واختلف الفقهاء في الحائض متى يحل وطؤها؛ فقال أبو حنيفة وصاحباه: (إذا طهرت لعشرة أيام جاز وطؤها دون الغسل؛ وإن طهرت لأقل من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل).
وقال مجاهد وطاووس وعطاء: (إذا انقطع دمها وغسلت فرجها وتوضأت جاز وطؤها). وقال الشافعي: (لا يحل وطؤها إلا بشرطين: انقطاع الدم والاغتسال). فمن قرأ (يطهرن) بالتشديد كان حجة للشافعي ومن تابعه؛ ومن خفف كان حجة للمبيحين وطأها قبل الغسل.
قوله تعالى: ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾؛ أي فإذا اغتسلن فجامعوهن من حيث أمركم الله تنحية في الحيض وهو الفرج، قاله ابن عباس وقتادة والربيع. وقيل: معناه: فأتوهن من قبل النكاح والجهات التي يحل فيها أن يقرب المرأة في الشريعة. وقال مجاهد: (كانوا على استخارة إيتائهن في الأدبار في أيام الحيض؛ فأنزل الله هذه الآية وحرم بها ما كانوا يفعلونه)؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إتيان النساء في أعجازهن حرام "
وقال ابن كيسان: (معناه لا يأتونهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات؛ وإيتاؤهن وغشيانهن لكم حلال).
قوله عز وجل: ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾؛ قال عطاء ومقاتل والكلبي: (معناه: إن الله يرضى عمل التوابين من الذنوب ومن إتيان النساء في وقت الحيض، ويحب المتطهرين بالماء عن الأحداث والحيض والنجاسات والجنابات). وقال مجاهد: (معناه: ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ عن الذنوب و ﴿ المتطهرين ﴾ عن أدبار النساء أن يأتوها)، وقال: (من أتى امرأة في دبرها فليس من المتطهرين).
وقال بعضهم: معناه: ﴿ التوابين ﴾ من الذنوب و ﴿ المتطهرين ﴾ من الشرك. وقال سعيد بن جبير: ﴿ التوابين ﴾ من الشرك، و ﴿ المتطهرين ﴾ من الذنوب). وعن عبدالرحيم: (معناه: ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ من الكبائر، و ﴿ المتطهرين ﴾ من الصغائر). وقيل: ﴿ التوابين ﴾ من الأفعال، و ﴿ المتطهرين ﴾ من الأقوال. وقيل: ﴿ التوابين ﴾ من الأقوال والأفعال، و ﴿ المتطهرين ﴾ من القعود والإضمار. وقيل: ﴿ التوابين ﴾ من الآثام، و ﴿ المتطهرين ﴾ من الإجرام. وقيل: ﴿ التوابين ﴾ من الذنوب، و ﴿ المتطهرين ﴾ من العيوب.