تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعنى الآية: يسألونك يا محمد عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم عظيم؛ لأن الخمر يوقع العداوة والبغضاء ويحول بين الإنسان وبين عقله الذي يعرف به ما يجب عليه لخالقه. والقمار يورث العداوة أيضا؛ فإن المقمور إذا رأى غيره قد فاز بماله من غير منفعة رجعت إليه؛ بغضه وعاداه. وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿ قل فيهمآ إثم كبير ﴾ أي وزر عظيم من المشاتمة والمخاصمة وقول الفحش والزور وزوال العقل، والمنع من الصلاة، واستحلال مال الغير بغير حق.

وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما: (قل فيهما إثم كثير) بالثاء؛ وقرأ الباقون بالباء؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: ﴿ وإثمهمآ أكبر من نفعهما ﴾ ولقوله تعالى:

إنه كان حوبا كبيرا

[النساء: 2]

قوله عز وجل: ﴿ ومنفع للناس ﴾ فالمنفعة في الخمر اللذة في شربها والتجارة فيها قبل التحريم. والمنفعة في الميسر: مصير الشيء الذي يصيبه من المال في القمار بلا كد ولا تعب.

قوله تعالى: ﴿ وإثمهمآ أكبر من نفعهما ﴾ قال المفسرون: إثم الخمر: هو أنه يشرب ويسكر ويؤذي الناس، وإثم الميسر: هو أن يقامر فيمنع الحق ويظلم. وقال الربيع: (المنافع قبل التحريم؛ والإثم بعد التحريم).

قوله عز وجل: ﴿ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴾؛ معناه: يسألونك أي شيء يتصدقون به؟ قل الفضل وما يسهل عليك إنفاقه؛ وهذا نزل جوابا عن قول عمرو بن الجموح: بماذا ننفق؟ وفي الآية المتقدمة جواب عن قوله: لمن نتصدق؟.

واختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿ قل العفو ﴾؛ فقال ابن عمر وقتادة وعطاء والسدي: (هو ما فضله من المال عن العيال). وهو رواية عن ابن عباس. وقال الحسن: (هو أن لا يفنى مالك في النفقة، ثم تقعد تسأل الناس).

وقال مجاهد: (هو ما كان عن ظهر غنى). وقال الضحاك: (هو قدر الطاقة). وقال الربيع: (هو العفو، هو الطيب؛ كأنه قال: أفضل مالك وأطيبه).

وأصل العفو في اللغة: الزيادة والكثرة. قال الله تعالى:

حتى عفوا

[الأعراف: 95] أي كثروا. وقال صلى الله عليه وسلم:

" أعفوا اللحى "

والعفو أيضا: ما تأخذه وتعطيه سهلا بلا تكلف من قولهم: خذ ما أعفاك؛ أي ما أتاك سهلا من غير إكراه.

ونظيره هذه الآية من الأخبار ما روي:

" أن رجلا قال: يا رسول الله، عندي دينار، قال: " أنفقه على نفسك " قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على أهلك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على ولدك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على والديك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على فرسك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على قرابتك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنت أبصر به " ".

وعن جابر قال:

" أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه صدقة فوالله ما أصبحت أملك غيرها، فأعرض عنه. فأتى من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من ركنه الأيسر، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فقال: مغضبا: " هاتها " فأخذها منه فحذفه بها لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال: " يجيء أحدكم بماله كله ليتصدق به ويجلس يتكفف الناس، أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وليبدأ أحدكم بمن يعول " ".

قال الكلبي: (كان الرجل بعد نزول هذه الآية إن كان من أهل الزرع والنخيل؛ نظر إلى ما يكفيه وعياله سنة؛ ويتصدق بما فضل. وإن كان من أهل التجارة أمسك رأس ماله ومن الربح ما يتقوت به ويحتاج إليه؛ ويتصدق بما فضل. وإن كان ممن يعمل بيده؛ أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك ويتصدق بسائره. وكانوا على ذلك إلى أن فرضت الزكاة مقدرة معلومة).

واختلفوا في قراءة قوله: ﴿ قل العفو ﴾ فقرأ الحسن وقتادة وأبو عمرو: (قل العفو) رفعا على معنى الذي ينفقونه هو العفو، أو على معنى قل هو العفو. ودليله قوله تعالى:

وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين

التفسير الكبير · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٥٩