وقيل: إن رمي الجمار لا يجوز أن يكون تطوعا؛ إذ المتنفل به يكون غائبا؛ فلما قال الله تعالى: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ أوهم ذلك كون الرمي في ذلك اليوم الثالث تطوعا؛ لأن هذا تخيير بين فعله وتركه، فقال تعالى: ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ ليبين أن هذا واجب خير بين فعله.
فصل: والأيام المسماة في الحج ستة أيام: يوم التروية؛ ويوم عرفة؛ ويوم النحر؛ ويوم القر؛ ويوم النفر؛ ويوم الصدر. وسمي يوم التروية لأن جبرائيل عليه السلام قال لإبراهيم عليه السلام: [احمل ريك من الماء]. وأما عرفة فقد ذكرنا لم سمي به، ويوم النحر معلوم؛ ويوم القر لاستقرار الناس بمنى، ويوم النفر لأنهم ينفرون من منى إلى مكة، ويوم الصدر لأنهم يصدرون إلى أهاليهم. ورمي الجمار مشروع في يوم القر والنفر والصدر؛ وهي أيام التشريق.
قوله عز وجل: ﴿ واتقوا الله واعلموآ أنكم إليه تحشرون ﴾؛ هذا أمر لهم بالتقوى في مستقبل أعمارهم؛ أي لا تتكلوا فيما أسلفتم من أعمال البر، ولكن زيدوا في الطاعة في باقي العمر. وقوله تعالى: ﴿ واعلموآ أنكم إليه تحشرون ﴾ أي في الآخرة يجازيكم بأعمالكم؛ إذ الحشر إنما يكون للمجازاة، ومن تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة؛ ولا بد من أحد أمرين: إما الجنة وإما النار، يدعوه بذلك إلى التقوى والتشديد.
والحشر في اللغة: هو الجمع للناس من كل ناحية؛ والمحشر هو المجمع؛ فيكون معنى الآية: ﴿ واعلموآ أنكم إليه تحشرون ﴾ أي تجمعون.