وأشبه الأقاويل فظاهر الآية في تأويل قوله: (وابتغوا ما كتب الله لكم) قول من تأوله على الولد؛ لأنه عقيب قوله (فباشروهن) وهو أمر بإباحة الطلب وندب كقوله صلى الله عليه وسلم:
" تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط ".
وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم يدل عليه ما روى أنس بن مالك:
" أن امرأة كان يقال لها الخولاء عطارة أهل المدينة، دخلت على عائشة رضي الله عنها؛ فقالت: يا أم المؤمنين، زوجي فلان أتزين له كل ليلة وأتطيب كأني عروس زفت إليه، فإذا أوى إلى فراشه دخلت في لحافه ألتمس بذلك رضى الله تعالى، فحول وجهه عني أراه قد أبغضني؟ فقالت: اجلسي حتى يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فبينما أنا كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما هذه الروائح التي أجدها، هل أتتكم الخولاء؟ ابتعتم منها شيئا؟ " قالت عائشة: لا والله يا رسول الله، فقصت عليه الخولاء قصتها، فقال لها: " اذهبي واسمعي له وأطيعي " فقالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من الأجر؟ قال: " ما من امرأة رفعت من بيت زوجها ووضعته تريد الإحسان إلا كتب الله لها حسنة، ومحى عنها سيئة، ورفع لها درجة. وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلا كتب الله لها من الأجر مثل القائم ليلة الصيام نهاره والغازي في سبيل الله. وما من امرأة يأتيها طلق إلا كتب الله لها بكل طلقة عتق نسمة؛ وبكل رضعة عتق رقبة. فإذا فطمت ولدها نادى مناد من السماء: أيتها المرأة قد كفيتي بالعمل فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقي " ".
قالت عائشة: قد أعطي النساء خيرا كثيرا، فما بالكم يا معشر الرجال؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلا كتب الله له حسنة؛ وإن عانقها فعشر حسنات؛ وإن قبلها فعشرون حسنة؛ وإن أتاها كان خيرا من الدنيا وما فيها، فإذا قام ليغتسل لم يمر الماء على شعرة من جسده إلا تمحى عنه سيئة ويعطى له درجة، ويعطى بغسله خيرا من الدنيا وما فيها، وإن الله عز وجل يباهي به الملائكة، يقول: أنظروا إلى عبدي قام في ليلة باردة يغتسل من الجنابة، يتيقن بأني ربه، اشهدوا أني قد غفرت له ".
قوله عز وجل: ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾؛ هذا أمر إباحة مثل
وإذا حللتم فاصطادوا
[المائدة: 2] وشبهه. نزلت في رجل من الأنصار يسمى صرمة بن أنس هكذا قال الكلبي. وقال معاذ بن جبل: (اسمه أبو صرمة). وقال عكرمة والسدي: (اسمه أبو أقيس بن صرمة). وقال مقاتل: (صرمة بن إياس).
وكانت قصته:
" أنه ظل نهاره يعمل في أرض له وهو صائم، فلما أمسى قال لأهله: قدمي الطعام، فأرادت المرأة أن تطعمه شيئا سخنا، فأخذت تعمل له سخنية، وكان ذلك الوقت من صلى العشاء أو نام حرم عليه الطعام والشراب والجماع، فلما فرغت من طبخ طعامه؛ إذ به قد نام فأيقظته فكره أن يعصي الله تعالى ورسوله، فأبى أن يأكل فأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أجهده الصوم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: [يا أبا قيس، ما لك طريحا!] قال: ظللت أمس في النخل نهاري كله أجر بالجريد حتى أمسيت. - وفي بعض النسخ: أجر الجريد - فأتيت أهلي، فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئا سخنا، فأبطأت علي فنمت، فأيقظوني وقد حرم الطعام والشراب؟ فطويت فأصبحت قد أجهدني الصوم. فاغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ "
أي كلوا في ليالي الصوم واشربوا فيها حتى يتبين لكم بياض النهار وضوء يه من سواد الليل وظلمته، كذا قال المفسرون. وقيل: معناه حتى يتبين لكم الفجر الأول من الثاني، قال الشاعر: