تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بتخييرهن بين بقائهن على عصمته إيثارا لحظ الآخرة، وبين تمتيعه لهن بما يطلبن

مع طلاقة لهن وتسريحه لهن بإحسان إيثارا منهن لمتاع الحياة الدنيا وزينتها، فلو

أن نساءه صلى الله عليه وسلم غلب عليهن التمتع بالنعمة والزينة والترف لاقتدى

بهن جميع النساء من ذلك العهد، ولما استطاع الرجال صرفهن عنه، ولما قامت

للأمة قائمة؛ فإن الإسراف في الترف والزينة يهلك الأمم الغنية، فكيف تقوى به

الأمم الفقيرة؟ أم كيف يمكن أن تؤسس أمة قوية عزيزة مصلحة لفساد البشر

وظلمهم بتنشئتها على التنافس في الشهوات والزينة.

وإنما أباح الله الزينة والطيبات في حال السعة والثروة بدون إسراف ولا بطر

ولا مخيلة، والغرض من كثرة أزواجه أن يكن قدوة للنساء في الفضائل النسائية

كما أنه هو القدوة العليا والأسوة الحسنى للأمة كلها في معاملة النساء وفي سائر

الأمور، وملاك ذلك كله إيثار سعادة الآخرة على متاع الدنيا.

39- تخييره صلى الله عليه وسلم لأزواجه

بين الدنيا والآخرة

قد ثبت أنه كان لهذا التخيير سببان أحدهما غضبه وموجدته عليهن فيما كان

من تظاهرن عليه، وقد ذكرنا أصح الروايات فيه، وأما السبب الآخر وهو

مطالبتهن له بالتوسع في النفقة والزينة فهو ما دلت عليه الآية الأولى من آيتي

التخيير الآتيتين، وذكر بعض المفسرين بعض ما طلبن من ذلك، وإنني أختار من

الروايات الصريحة فيه حديث جابر من صحيح مسلم وهذا نصه:

عن جابر بن عبد الله قال: (دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله

عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل،

ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه

واجما ساكتا، قال: فقال أبو بكر: لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم

فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت

عنقها [30] ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هن حولي كما ترى

يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها

كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟ فقلن: لا

والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن

شهرا أو تسعا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ (الأحزاب: 28) حتى بلغ ﴿للمحسنات منكن أجرا عظيما﴾ (الأحزاب: 29)

قال فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي

فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية قالت:

أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك

أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها

إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا، ثم خيرهن كلهن

فاخترن ما هو خير لهن) اخترن الله ورسوله والدار الآخرة وهذا نص آيتي

التخيير: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين

أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن

الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} (الأحزاب: 28-29) .

خلاصة معنى الآيتين: قل لهن: إن كنتن تردن من حياتكن الزوجية حظوظ

الدنيا وشهواتها وزينتها؛ فإنني لم أبعث لذلك ولا تزوجتكن لذلك فتعالين أعطكن

المتعة المالية التي شرعها الله للمطلقات وأسرحكن إلى أهليكن سراحا جميلا لا إهانة

فيه ولا إساءة كما أمر الله كل من احتاج إلى تطليق امرأته لعدم استطاعته أن يعيش

معها عيشة راضية مرضية لله ثم له ولها، وهو دليل على أنه صلى الله عليه وسلم

لا يستطيع أن يقوم بوظيفة نبوته مع نساء همهن من حياتهن النعيم والزينة.

وإن كنتن تردن من هذه الزوجية مرضاة الله تعالى ومرضاة رسوله بالقيام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢١١