قال: تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري، قالت عائشة:
فاجتذبتها إلي، فقلت: تتبعي بها أثر الدم) وفي رواية أخرى أنها قال لها: (خذي
فرصة ممسكة [1] فتوضأي ثلاثا) ثم إنه صلى الله عليه وسلم استحيا أو أعرض
بوجهه حياء، أي منعه الحياء بأن يصرح لها بوضع القطنة المطيبة بالمسك في
المكان الذي كان يخرج منه الدم إتماما للطهارة، فأخذتها عائشة وأفهمتها المراد،
والحديث في المسند والصحيحين وأكثر السنن.
وفي صحيح مسلم أن أسماء، وهي بنت شكل [2] سألت النبي صلى الله عليه
وسلم عن غسل المحيض فقال: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرها [3] فتطهر فتحسن
الطهور فتصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تصب
عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، قالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟
قال: سبحان الله تطهري بها) سبح الله تعجبا من عدم فهمها المراد بالإيماء
والتعريض، وطلبها للتصريح به والتكشيف، ومنعه الحياء منه، حتى كفته زوجته
عائشة ذلك، وقد ورد في وصفه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان أشد حياء من
العذراء في خدرها) (متفق عليه) .
وكان المؤمنات يسألنه عن كل ما يعرض لهن على اختلاف درجاتهن في
الحياء حتى كان بعضهن يشكون إليه هجر بعولتهن لهن اشتغالا بالتعبد أو لغير ذلك،
وكان لا بد له من تعليمهن وإنصافهن من بعولتهن، وكان أزواجه خير مبلغ له
عنهن ولهن عنه في حياته، وخير مرجع في الاستفتاء النسوي بعد وفاته، ومن ذا
الذي يقول إن زوجا واحدة كانت تقوم بهذا الواجب وحدها؟
بل كان الرجال يرجعون بعده إلى أمهات المؤمنين في كثير من أحكام الدين،
ولا سيما الزوجية، فمن كان له قرابة منهن كان يسألها دون غيرها، فكان أكثر
الرواة عن عائشة أختها أم كلثوم وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث وابنا
أخيها القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر، وحفصة وأسماء بنتا أخيها عبد
الرحمن وعبد الله وعروة ابنا عبد الله بن الزبير من أختها أسماء، وروى عنها
غيرهم من أقاربها ومن الصحابة والتابعين وهم كثيرون جدا.
كذلك كان أكثر الرواة عن حفصة أخوها عبد الله بن عمر وابنه حمزة وزوجه
صفية بنت عبيد وأم بشر الأنصارية ... إلخ، وأكثر الرواة عن ميمونة بنت
الحارث أبناء أخواتها، ولا سيما أعلمهم وأشهرهم عبد الله بن عباس، وأشهر الرواة
عن رملة بنت أبي سفيان ابنتها حبيبة وأخواها معاوية وعنبسة وابنا أخيها وأختها.
وهكذا نرى كل واحدة من أمهات المؤمنين قد روى عنها علم الدين كثير من
أولي قرباها، ومن النساء والرجال الآخرين حتى أن صفية اليهودية كان لها ابن أخ
مسلم روى عنها فيمن روى، فهل كان يمكن أن ينقل ذلك كله زوج واحدة يروي
عنها كل من روى عن أمهات المؤمنين؟ ولعل أكثر ما سمعه النساء منهن لم يصل
إلى الذين دونوا أحاديثهن.
وجملة القول: أن أمهات المؤمنين التسع اللائي توفي عنهن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كن كلهن معلمات ومفتيات لنساء أمته ولرجالها ما لم يعلمه عنه غيرهن
من أحكام شرعية وآداب زوجية، وحكم نبوية، وكن قدوة صالحة في الخير وعمل
البر.
32- الأسباب الخاصة لكل زوج منهن بعد خديجة
1- سودة بنت زمعة رضي الله عنها:
كانت سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية أول امرأة تزوجها
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة، وكان توفي عنها زوجها ابن عمها
بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية، والحكمة في اختيارها أنها من المؤمنات
المهاجرات الهاجرات لأهليهن خوف الفتنة والتعذيب لإرجاعها عن الإسلام، ولو
عادت إلى أهلها لأكرهوها على الشرك أو عذبوها عذابا نكرا ليفتنوها عن الإسلام،
فاختار صلى الله عليه وسلم كفالتها، وفيه تأليف لبني عبد شمس أعدائه وأعداء بني
هاشم، وتشريف لبني النجار أخوال عترته وأكرم أنصاره؛ فإن أمها الشموس بنت