والحقوق الإنسانية، ترفعن أصواتكن قائلات: آمنا وصدقنا بأن هذا إصلاح لم
يسبق الإسلام إليه دين، ولم يبلغ شأو محمد فيه نبي ولا حاكم ولا حكيم؛ ولكن ما
بال تعدد الزوجات بقي في دينه مباحا حتى أنه هو نفسه لم يتنزه عنه، بل أباح له
شرعه الإلهي منه أكثر مما أباح لغيره من رجال أمته؟
ألا إن لكن أن تسألن هذا السؤال، وعلي أن أدلي إليكن بالجواب:
24- مقدمة في تاريخ تعدد الزوجات وأصله
يقول الباحثون في طبائع البشر وتواريخ البدو والحضر: إن تعدد الزوجات
في الأقطار الكثيرة التي اعتاده أهلها هو أثر ما كان من استرقاق النساء، واتخاذ
الأقوياء والأغنياء العدد الكثير منهن للاستمتاع والخدمة والعظمة؛ ولذلك كان خاصا
بالملوك والأمراء والرؤساء والأغنياء، وكان يكثر في البلاد الحارة التي يفتن أهلها
بشهوة الاستمتاع، وكثرة التنقل بين الحسان وصغار السن من النساء، وكان عند
بعضهم استرقاقا محضا، ثم وجد الجمع بين نكاح الحرائر والاستمتاع بالجواري
المملوكات، فقدماء اليونان الأثينيين كانوا يبيعون النساء في الأسواق، ويبيحون
تعدد الزوجات بغير حساب، وقد أباح الإسبرطيون تعدد الأزواج للمرأة الواحدة
كأهل (التبت) دون تعدد الزوجات للرجل، وكان التعدد فاشيا في أوربة عند
الغولوا في زمن سيزار ومعروفا عند الجرمانيين في زمن ناسيت، وقد فشا في
الرومان فعلا لا قانونا حتى حظره جوستيان في قوانينه؛ ولكنه ظل فاشيا بالفعل،
وأباحه بعض البابوات لبعض الملوك بعد الإسلام كشرلمان ملك فرنسة الذي كان
معاصرا للخليفتين المهدي والرشيد من العباسيين، وقد اختلفت عادات الناس فيه
بين الأمم في جميع القارات والجزائر الجنوبية وما شذ عن ذلك إلا أهل أوربة في
القرون الأخيرة؛ ولكنهم استبدلوا بتعدد الزوجات الشرعيات السفاح واتخاذ الأخدان
كما تقدم، وسيأتي مزيد بسط له في بحث التسري.
على أن النساء في أوربة قد كن مهينات كالإماء عند أولئك الوثنيين حتى في
أعراضهن، إلى ما بعد ظهور الإصلاح الإسلامي المحمدي بقرون، والشواهد
التاريخية على هذا كثيرة.
يقول الفيلسوف هربرت سبنسر الإنكليزي في كتابه (علم وصف الاجتماع)
إن الزوجات كانت تباع في إنكلترا فيما بين القرن الخامس والقرن الحادي عشر،
وإنه حدث أخيرا في القرن الحادي عشر أن المحاكم الكنسية سنت قانونا ينص على
أن للزوج أن ينقل (أو يعير) زوجته إلى رجل آخر لمدة محدودة حسبما يشاء
الرجل المنقولة إليه المرأة [16] وشر من ذلك ما كان للشريف النبيل (الحاكم)
روحانيا كان أو زمنيا من الحق في الاستمتاع بامرأة الفلاح إلى مدة أربع وعشرين
ساعة من بعد عقد زواجها عليه (أي على الفلاح) .
وفي سنة 1567 ميلادية صدر قرار من البرلمان الإسكوتلاندي بأن المرأة لا
يجوز أن تمنح أي سلطة على أي شيء من الأشياء.
وأغرب من هذا كله أن البرلمان الإنكليزي أصدر قرارا في عصر هنري
الثامن ملك إنكلترا يحظر على المرأة أن تقرأ كتاب العهد الجديد أي يحرم على
النساء قراءة الأناجيل وكتب رسل المسيح، فأين هذا من وضع الصحابة المصحف
الأول الذي كتب في خلافة أبي بكر عند امرأة وهي حفصة أم المؤمنين، ثم كتابة
نسخ المصاحف التي وزعت على الأمصار في خلافة عثمان عن ذلك المصحف،
ولم تخل البلاد الإسلامية من نساء يحفظن القرآن كله حفظا تاما من عصر الصحابة
إلى عصرنا هذا [17] .
ومن العجيب أن بعض الناس الذين جمعوا بين الزواج والتسري كانوا
يحرصون على شرف الزوجات، ويبذلون جواريهم لضيوفهم وأكابر قومهم
يستمتعون بهن، كما نقل عن أهل جزيرة فيتي، ونقل عن بعض وثنيي أمريكا
الشمالية أن من تزوج امرأة منهم حلت له جميع أخواتها، وقالوا: إن هذا قد انتشر
كثيرا في كولومبيا وغيرها.
وكان تعدد الزوجات شائعا بين اليهود قبل السبي في ملوكهم وأنبيائهم وناهيك