والحرص، فإحضار الأنفس الشح عبارة عن كونها حاضرة له بطبعها لا تكاد
تفارقه إلا بمعالجة وعزيمة قوية، ثم وصف لهما هذا العلاج بما يرغبهما فيه وهو
الإحسان في المعاملة الذي قد يكون فوق أداء الواجب، واتقاء الله في منع الحقوق
أو المطالبة بأكثر منها طاعة لشح النفس، وهاك خلاصة معنى الآية من تفسير
المنار (ص 445 ج 5) .
أي وإن خافت امرأة] من بعلها نشوزا [وترفعا عليها] أو إعراضا [عنها،
بأن ثبت لها ذلك وتحقق ولم يكن وهما مجردا، أو وسواسا عارضا، وذلك أن
المرأة إذا رأت زوجها مشغولا بأكبر العظائم المالية أو السياسية، أو حل أعوص
المسائل العلمية، أو بغير ذلك من المشاكل الدنيوية أو المهمات الدينية، لا تعد ذلك
عذرا يبيح له الإعراض عن مسامرتها أو منادمتها، أو الرغبة عن مناغاتها
ومباعلتها، والواجب عليها أن تتبين وتتثبت فيما تراه من أمارات النشوز والإعراض
فإذا ظهر لها أن ذلك لسبب خارجي لا لكراهتها والرغبة عن معاشرتها بالمعروف،
فعليها أن تعذر الرجل وتصبر على ما لا تحب من ذلك، وإن ظهر لها أن ذلك
لكراهته إياها ورغبته عنها] فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا [أي: فلا
جناح عليها ولا عليه في الصلح الذي يتفقان عليه بينهما كأن تسمح له ببعض حقها
عليه في النفقة أو المبيت معها أو بحقها كله فيهما أو في أحدهما لتبقى في عصمته
مكرمة [15] ، أو تسمح له ببعض المهر ومتعة الطلاق أو بكل ذلك ليطلقها، فهو كقوله
تعالى في سورة البقرة ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ (البقرة: 229) وإنما
يحل للرجل ما تعطيه من حقها إذا كان برضاها لاعتقادها أنه خير لها، من غير أن
يكون ملجئا إياها إليه بما لا يحل له من ظلمها أو إهانتها.
قال تعالى:] والصلح خير [أي من التسريح والفراق وإن كان بإحسان وأداء
المهر والمتعة وحفظ الكرامة كما هو الواجب على المطلق؛ لأن رابطة الزوجية من
أعظم الروابط وأحقها بالحفظ، وميثاقها من أغلظ المواثيق وأجدرها بالوفاء.
] وأحضرت الأنفس الشح [البخل الناشئ عن الحرص، ومعنى إحضاره
الأنفس أنها عرضة له، فإذا جاء مقتضى البذل ألم بها ونهاها أن تبذل ما ينبغي بذله
لأجل الصلح وإقامة المصلحة، فالنساء حريصات على حقوقهن في القسم والنفقة
وحسن العشرة شحيحات بها، والرجال أيضا حريصون على أموالهم أشحة بها،
فينبغي لكل منهما أن يتذكر أن هذا من ضعف النفس الذي يضره ولا ينفعه، وأن
يعالجه فلا يبخل بما ينبغي بذله والتسامح فيه لأجل المصلحة؛ فإن من أقبح البخل أن
يبخل أحد الزوجين في سبيل مرضاة الآخر بعد أن أفضى بعضهما إلى بعض،
وارتبطا بذلك الميثاق العظيم، بل ينبغي أن يكون التسامح بينهما أوسع من ذلك وهو
ما تشير إليه الجملة الآتية:
] وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا [أي وإن تحسنوا العشرة
فيما بينكم فتتراحموا وتتعاطفوا، ويعذر بعضكم بعضا وتتقوا النشوز والإعراض،
وما يترتب عليهما من منع الحقوق والشقاق؛ فإن الله كان بما تعملونه من ذلك خبيرا
لا يخفى عليه شيء من دقائقه وخفاياه، ولا من قصدكم فيه، فيجزي الذين أحسنوا
منكم بالحسنى، والذين اتقوا بالعاقبة الفضلى. اه باختصار.
ثم بين لنا في الآيتين اللتين بعد هذه أن عدل الرجل بين النساء غير مستطاع
ولا سيما في الحب؛ وإنما عليه ما يملك من العدل في النفقة والمعاشرة، وأن يكبح
جماح الميل النفسي بقوة الإرادة حتى لا يفحش فيه، فتكون المائل عنها كالمعلقة
التي لا هي متزوجة ولا خلية، وأنهما إذا تفارقا لتعذر إقامة حدود العدل والتراضي؛
فإن الله يغني كلا منهما عن الآخر بفضله.
تعدد الزوجات
أيتها السيدات الكرائم:
كأني بكن وقد سمعتن أو قرأتن ما كتبته لكن مما جاء به محمد رسول الله
وخاتم النبيين من تكريمكن وإثبات مشاركتكن للرجال في جميع الأمور الدينية