وسرحها بإحسان، إلا أن يرجو صلاحها بالتحكيم الذي أرشدت إليه الآية، ولا
يضرب فإن الأخيار لا يضربون النساء، وإن أبيح لهم ذلك للضرورة فقد روى
البيهقي من حديث أم كلثوم بنت الصديق رضي الله عنها قالت: كان الرجال نهوا عن
ضرب النساء، ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهن تمردن عليهم
حتى قال عمر: يا رسول الله قد ذئر النساء على أزواجهن - أي:تمردن وعتين في
النشوز والجرأة - فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال: (ولن يضرب خياركم) فما
أشبه هذه الرخصة بالحظر. وجملة القول: إن الضرب علاج مر، قد يستغني عنه
الخير الحر؛ ولكنه لا يزول من البيوت بكل حال، أو يعم التهذيب النساء والرجال.
قال تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ (النساء: 34) قال
الأستاذ الإمام: أي إن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا بتجاوزها
إلى غيرها طريقا، فابدأوا بما بدأ الله به من الوعظ، فإن لم يفد فليهجر، فإن لم
يفد فليضرب، فإذا لم يفد هذا أيضا يلجأ إلى التحكيم، ويفهم من هذا أن الصالحات
القانتات لا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح، فضلا عن الهجر والضرب
﴿إن الله كان عليا كبيرا﴾ (النساء: 34) فإن سلطانه عليكم فوق سلطانكم على
نسائكم، فإذا بغيتم عليهن عاقبكم، وإذا تجاوزتم عن هفواتهن كرما وشمما تجاوز
عنكم، قال الأستاذ: أتي بهذا بعد النهي عن البغي لأن الرجل إنما يبغي على المرأة
مما يحسه في نفسه من الاستعلاء عليها وكونه أكبر منها وأقدر، فذكره تعالى بعلوه
وكبريائه وقدرته عليه ليتعظ ويخشع ويتقي الله فيها، واعلموا أن الرجال الذين
يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم؛ إنما يلدون عبيدا لغيرهم اه،
يعني أن أولادهم يتربون على ذل الظلم فيكونون كالعبيد الأذلاء لمن يحتاجون إلى
المعيشة معهم.
22- التحكيم بين الزوجين
قال تعالى بعدما ذكر: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما
من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} (النساء: 35) الخلاف بين
الزوجين قد يكون بنشوز المرأة وقد يكون بظلم من الرجل، فالنشوز يعالجه الرجل
بأقرب التأديبات الثلاثة المبينة في الآية التي قبل هذه الآية، فإذا تمادى هو في
ظلمه أو عجز عن إنزالها عن نشوزها، وخيف أن يحول الشقاق بينهما دون
إقامتهما لحدود الله تعالى في الزوجية بإقامة أركانها الثلاثة: السكون والمودة
والرحمة، وجب على المؤمنين المتكافلين في مصالحهم ومنافعهم أن يبعثوا حكما
من أهله وحكما من أهلها، عارفين بأحواله وأحوالها، ويجب على هذين الحكمين
أن يوجها إرادتهما إلى إصلاح ذات البين، ومتى صدقت الإرادة كان التوفيق
الإلهي رفيقها إن شاء الله تعالى، ويجب الخضوع لحكم الحكمين والعمل به،
فخوف الشقاق: توقعه بظهور أسبابه، والشقاق هو الخلاف الذي يكون به كل من
المختلفين في شق أي في جانب، والحكم (بالتحريك) من له حق الحكم والفصل
بين الخصمين، والمراد ببعثهما إرسالهما إلى الزوجين لينظرا في شكوى كل منهما،
ويتعرفا ما يرجى أن يصلح بينهما، ويسترضوهما بالتحكيم، وإعطاؤهما حق
الجمع والتفريق. اه المراد هنا من تفسيرنا للآية.
23- نشوز الرجل وإعراضه
وعلاجه بالصلح أيضا
قال الله تعالى في نشوز الرجل: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو
إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس
الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} (النساء: 128) أرشد
الله الزوجين إلى الصلح عند خوف المرأة نشوز زوجها وإعراضه التام عنها،
وذكرهما بما يحول دون الوفاق من طباع النفس، وهو بخل كل منهما بأداء ما عليه
من الواجب وحرصه على استيفاء كل ما له من الحق، بل يقصر كل فيما عليه،
ويطالب الآخر بأكثر مما عليه، ولا سيما المرأة؛ فإن الشح جامع لمعنيي البخل