تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينشزن؟) لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة، وهي أن الله تعالى لما كان يحب

أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراض والتئام لم يشأ أن يسند

النشوز إلى النساء إسنادا يدل على أن من شأنه أن يقع منهن فعلا، بل عبر عن ذلك

بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أن لا يقع؛ لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام

الفطرة وتطيب به المعيشة، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة وما هو

الأولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها وحسن التلطف في

معاملتها، حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يأول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق

الزوجية فعليه أولا أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها.

والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة، فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من

الله عز وجل وعقابه على النشوز، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من

سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء، والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة

والحلي، والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته.

وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها

هجره إياها، ولا يتحقق هذا بهجر المضجع نفسه وهو الفراش، ولا بهجر الحجرة

التي يكون فيها الاضطجاع؛ وإنما يتحقق بهجر في الفراش نفسه، وتعمد هجر

الفراش أو الحجرة زيادة في العقوبة لم يأذن بها الله تعالى، وربما يكون سببا لزيادة

الجفوة، وفي الهجر في المضجع نفسه معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت

الذي هو فيه؛ لأن الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجية، فتسكن

نفس كل من الزوجين إلى الآخر ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك،

فإذا هجر الرجل المرأة، وأعرض عنها في هذه الحالة رجي أن يدعوها ذلك

الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب ويهبط بها من نشز المخالفة، إلى

صفصف [14] الموافقة، وكأني بالقارئ وقد جزم بأن هذا هو المراد، وإن كان

مثلي لم يره لأحد من الأموات ولا الأحياء.

وأما الضرب فاشترط فيه أن يكون غير مبرح، وروى ذلك ابن جرير

مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتبريح: الإيذاء الشديد، وروي عن ابن

عباس رضي الله عنه تفسيره بالضرب بالسواك ونحوه، أي كالضرب باليد أو

بقصبة صغيرة.

وقد وردت أحاديث كثيرة في تقبيح الضرب والتنفير عنه، منها حديث عبد الله

ابن زمعة في الصحيحين وغيرهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يجلد

أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم) وفي رواية عن عائشة عند

عبد الرزاق: (أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد، يضربها

أول النهار ثم يجامعها آخره) يذكر الرجل بأنه إذا كان يعلم من نفسه أنه لا بد له

من ذلك الاجتماع والاتصال الخاص بامرأته وهو أقوى وأحكم اجتماع يكون بين

اثنين من البشر يتحد أحدهما بالآخر اتحادا تاما، فيشعر كل منهما بأن صلته بالآخر

أقوى من صلة بعض أعضائه ببعض، إذا كان لا بد له من هذه الصلة والوحدة

التي تقتضيها الفطرة، فكيف يليق به أن يجعل امرأته وهي كنفسه، مهينة كمهانة

عبده، بحيث يضربها بسوطه أو يده، حقا إن الرجل الحيي الكريم ليتجافى به

طبعه عن مثل هذا الجفاء، ويأبى عليه أن يطلب منتهى الاتحاد بمن أنزلها منزلة

الإماء، فالحديث أبلغ ما يمكن أن يقال في تشنيع ضرب النساء.

وأذكر أنني هديت إلى معناه العالي قبل أن أطلع على لفظه الشريف، فكنت

كلما سمعت أن رجلا ضرب امرأته أقول: يالله العجب، كيف يستطيع الإنسان أن

يعيش عيشة الأزواج مع امرأة تضرب؟ تارة يسطو عليها بالضرب فتكون منه

كالشاة من الذئب، وتارة يذل لها كالعبد، طالبا منتهى القرب! ولكن لا ننكر أن

الناس متفاوتون فمنهم من لا تطيب له هذه الحياة، فإذا لم تقدر امرأته بسوء تربيتها

تكريمه إياها حق قدره، ولم ترجع عن نشوزها بالوعظ والهجران، فارقها بمعروف

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٨٤