ذلك هو الذي يتيسر لها به القيام بوظيفتها الفطرية وهي الحمل والولادة وتربية
الأطفال وهي آمنة في سربها، مكفية ما يهمها من أمر رزقها، وفي التعبير حكمة
أخرى وهي الإشارة إلى أن هذا التفضل إنما هو للجنس على الجنس لا لجميع أفراد
الرجال على جميع أفراد النساء، فكم من امرأة تفضل زوجها في العلم والعمل به
وفي قوة البنية والقدرة على الكسب؟ ... إلخ.
20- صفة الزوجات الصالحات
ثم قال تعالى: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ (النساء:
34) هذا تفصيل لحال النساء في هذه الحياة المنزلية التي تكون المرأة فيها تحت
رياسة الرجل، ذكر أنهن فيها قسمان: صالحات وغير صالحات، وإن من صفة
الصالحات القنوت، وهو السكون والطاعة لله تعالى وكذا لأزواجهن بالمعروف،
وحفظ الغيب.
قال الثوري وقتادة: حافظات للغيب يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه
في النفس والمال، وروى ابن جرير والبيهقي من حديث أبي هريرة أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها
أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها) وقرأ صلى الله عليه وسلم الآية.
وقال الأستاذ الإمام: الغيب هنا هو ما يستحيا من إظهاره أي حافظات لكل ما
هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهن أحدا على شيء مما
هو خاص بالزوج.
أقول: ويدخل في قوله هذا وجوب كتمان كل ما يكون بينهن وبين أزواجهن في
الخلوة، ولا سيما حديث الرفث، فما بالك بحفظ العرض؟ وعندي أن هذه العبارة
أبلغ ما في القرآن من دقائق كنايات النزاهة، تقرأها خرائد العذارى جهرا، ويفهمن
ما تومئ إليه مما يكون سرا، وهن على بعد من خطرات الخجل أن تمس وجدانهن
الرقيق بأطراف أناملها، فلقلوبهن الأمان من تلك الخلجات التي تدفع الدم إلى
الوجنات، ناهيك بوصل حفظ الغيب (بما حفظ الله) فالانتقال السريع من ذكر ذلك
الغيب الخفي، إلى ذكر الله الجلي، يصرف النفس عن التمادي في التفكر فيما
يكون وراء الأستار، من تلك الخفايا والأسرار، وتشغلها بمراقبته عز وجل.
وفسروا قوله تعالى: ﴿بما حفظ الله﴾ (النساء: 34) بما حفظه لهن في
مهورهن وإيجاب النفقة لهن، يريدون أنهن يحفظن حق الرجال في غيبتهم جزاء
على المهر ووجوب النفقة المحفوظين لهن في حكم الله تعالى، وما أراك إلا ذاهبا
معي إلى وهن هذا القول وهزاله، وتكريم أولئك الصالحات بشهادة الله تعالى أن
يكون حفظهن لذلك الغيب من يد تلمس، أو عين تبصر، أو أذن تسترق السمع،
معللا بدراهم قبضن، ولقيمات يرتقبن، ولعلك بعد أن تمج هذا القول يقبل ذوقك ما
قبله ذوقي وهو أن الباء في قوله: ﴿بما حفظ الله﴾ (النساء: 34) هو صنو باء:
(لا حول ولا قوة إلا بالله) وأن المعنى حافظات للغيب بحفظ الله، أي بالحفظ
الذي يؤتيهن الله إياهن بصلاحهن؛ فإن الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى
وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة، قوية على حفظ الأمانة أو حافظات له بسبب
أمر الله بحفظه، فهن يطعنه ويعصين الهوى، فعسى أن يصل معنى هذه الآية إلى
نساء عصرنا اللواتي يتفكهن بإفشاء أسرار الزوجية، ولا يحفظن الغيب فيها [13] .
21- حكم الزوجات الناشزات
الأستاذ الإمام: إن هذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان
التأديب؛ وإنما سلطانهم على القسم الثاني الذي بينه وبين حكمه بقوله عز وجل:
﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ (النساء: 34) النشوز في الأصل بمعنى الارتفاع، فالمرأة التي تخرج عن حقوق
الرجل قد ترفعت عليه وحاولت أن تكون فوق رئيسها، بل ترفعت أيضا عن
طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل، فتكون كالناشز من الأرض الذي
خرج عن الاستواء، وقد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط وبعضهم بالعلم به؛
ولكن يقال: لم ترك لفظ العلم واستبدل به لفظ الخوف؟ أو: لم لم يقل (واللاتي