تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بغير كسبكم وعملكم. اه المراد نقله.

19- درجة الرجال على النساء الرياسة

(وكونهن معهم قسمين: صالحات وناشزات)

بعد هذا النهي لكل من الرجال والنساء عن تمني ما اختص به الآخر بمقتضى

الفطرة التي أكملها الله بدين الفطرة بين لنا عز وجل سبب التفضيل بقوله:

{الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من

أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن

فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا

إن الله كان عليا كبيرا} (النساء: 34) .

وقد كتبت في تفسيرها من الجزء الخامس ما نصه:

أي أن من شأنهم المعروف المعهود القيام على النساء بالحماية والرعاية

والولاية والكفاية، ومن لوازم ذلك أن يفرض عليهم الجهاد دونهن فإنه يتضمن

الحماية لهن، وأن يكون حظهم من الميراث أكثر من حظهن؛ لأن عليهم من النفقة

ما ليس عليهن، وسبب ذلك أن الله تعالى فضل الرجال على النساء في أصل الخلقة،

وأعطاهم ما لم يعطهن من الحول والقوة، فكان التفاوت في التكاليف والأحكام،

أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد، وثم سبب آخر كسبي يدعم السبب الفطري،

وهو ما ينفق الرجال على النساء من أموالهم؛ فإن المهور تعويضا للنساء ومكافأة

على دخولهن بعقد الزوجية تحت رياسة الرجال، فالشريعة كرمت المرأة إذ فرضت

لها مكافأة عن أمر تقتضيه الفطرة ونظام المعيشة وهو أن يكون زوجها قيما عليها

فجعل هذا الأمر من قبيل الأمور العرفية التي يتواضع عليها الناس بالعقود لأجل

المصلحة، كأن المرأة تنازلت باختيارها عن المساواة التامة، وسمحت بأن يكون

للرجل عليها درجة واحدة هي درجة القيامة والرياسة ورضيت بعوض مالي عنها،

فقد قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ (البقرة: 228) فالآية أوجبت لهم هذه الدرجة التي تقتضيها الفطرة، لذلك كان من

تكريم المرأة إعطاؤها عوضا ومكافأة في مقابلة هذه الدرجة، وجعلها بذلك من قبيل

الأمور العرفية لتكون طيبة النفس مثلجة الصدر قريرة العين، ولا يقال إن الفطرة

لا تجبر المرأة على قبول عقد يجعلها مرءوسة للرجل بغير عوض، فإنا نرى

النساء في بعض الأمم يعطين الرجال المهور ليكن تحت رياستهم، فهل هذا إلا

بدافع الفطرة الذي لا يستطيع عصيانه إلا بعض الأفراد؟

الأستاذ الإمام: المراد بالقيام هنا هو الرياسة التي يتصرف فيها المرءوس

بإرادته واختياره، وليس معناها أن يكون المرءوس مقهورا مسلوب الإرادة لا يعمل

عملا إلا ما يوجهه إليه رئيسه؛ فإن كون الشخص قيما على آخر هو عبارة عن

إرشاده والمراقبة عليه في تنفيذ ما يرشده إليه أي ملاحظته في أعماله وتربيته،

ومنها حفظ المنزل وعدم مفارقته ولو لنحو زيارة أولي القربى إلا في الأوقات

والأحوال التي يأذن بها الرجل ويرضى.

(قال) والمراد بتفضيل بعضهم على بعض تفضيل الرجال على النساء ولو

قال (بما فضلهم عليهن) أو قال (بتفضيلهم عليهن) لكان أخصر وأظهر فيما قلنا

أنه المراد؛ وإنما الحكمة في هذا التعبير هي عين الحكمة في قوله: {ولا تتمنوا

ما فضل الله به بعضكم على بعض} (النساء: 32) وهي إفادة أن المرأة من

الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد: فالرجل

بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.

(أقول) يعني أنه لا ينبغي للرجل أن يبغي بفضل قوته على المرأة ولا

للمرأة أن تستثقل فضله وتعده خافضا لقدرها؛ فإنه لا عار على الشخص إن كان

رأسه أفضل من يده وقلبه أشرف من معدته مثلا، فإن تفضيل بعض أعضاء البدن

على بعض بجعل بعضها رئيسيا دون بعض؛ إنما هو لمصلحة البدن كله لا ضرر

في ذلك على عضو ما؛ وإنما تتحقق وتثبت منفعة جميع الأعضاء بذلك، كذلك

مضت الحكمة في فضل الرجل على المرأة في القوة والقدرة على الكسب والحماية،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٨٢