وعوانس لا كافل لهن من الرجال، فنشرحه بما يعلم به القارئ أن نساء العرب
استشرفن إلى مثله في صدر الإسلام بما نفخه من روح الحياة فيهن، وأن الوحي
عالجه علاجا لا يمكن أن يعالج في بلاد الإفرنج إلا به، فنقول:
18- وظائف الرجال والنساء وأعمالهما
قال الله تعالى في سورة النساء: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على
بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله
إن الله كان بكل شيء عليما} (النساء: 32) .
ذكرنا في الجزء الخامس من تفسير المنار أنه ورد في سبب نزول هذه الآية
وموضوعها ثلاث روايات (الأولى) عن مجاهد أن أم سلمة زوج النبي صلى الله
عليه وسلم قالت: (يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف
الميراث) (الثانية) عن عكرمة أن النساء سألن الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل
لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال (الثالثة) عن قتادة والسدي قالا:
لما نزل قوله تعالى: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (النساء: 11) قال الرجال:
إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون
أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر
علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم
في الدنيا. كل هذا قد قيل ونزلت الآية فاصلة فيه وفي غيره مما في معناه، ونقلنا
عن أستاذنا الإمام في تفسيرها ما نصه:
سبب تلك الروايات الحيرة في فهم الآية، ومعناها ظاهر، وهو أن الله تعالى
كلف كلا من الرجال والنساء أعمالا، فما كان خاصا بالرجال لهم نصيب من أجره
لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن
فيه الرجال، وليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، وجعل الخطاب عاما
للفريقين مع أن الرجال لم يتمنوا أن يكونوا نساء، ولا أن يعملوا عمل النساء وهو
الولادة وتربية الأولاد وغير ذلك مما هو معروف؛ وإنما كان النساء هن اللواتي
تمنين عمل الرجال، وأي عمل الرجال تمنين؟ تمنين أخص أعمال الرجولة وهو
حماية الذمار والدفاع عن الحق بالقوة، ففي هذا التعبيرعناية بالنساء وتلطف بهن
وهن موضع للرأفة والرحمة لضعفهن وإخلاصهن فيما تمنين، والحكمة في ذلك أن
لا يظهر ذلك التمني الناشئ عن الحياة الملية الشريفة منهن، فإن تمني مثل هذا
العمل غريب من النساء جدا، وسببه أن الأمة في عنفوان حياتها يكون النساء
والأطفال فيها مشتركين مع الرجال في هذه الحياة وفي آثارها، وإنها لتسري فيها
سريانا عجيبا، ومن عرف تاريخ الإسلام ونهضة العرب به وسيرة النبي صلى الله
عليه وسلم والمؤمنين به في زمنه يرى أن النساء كن يسرن مع الرجال في كل
منقبة وكل عمل، فقد كن يأتين ويبايعن النبي صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة
المذكورة في سورة الممتحنة، كما كان يبايعه الرجال، وكن ينفرن معهم إذا نفروا
للقتال، يخدمن الجرحى ويأتين غير ذلك من الأعمال، فأراد الله أن يختص النساء
بأعمال البيوت والرجال بالأعمال الشاقة التي في خارجها ليتقن كل منهما عمله،
ويقوم به كما يجب مع الإخلاص له، وتنكير لفظ (نصيب) لإفادة أن ليس كل ما
يعمله العامل يؤجر عليه؛ وإنما الأجر على ما عمل بالإخلاص، أي: ففي الكلام
حث ضمني عليه ﴿واسألوا الله من فضله﴾ (النساء: 32) أي ليسأله كل
منكم الإعانة والقوة على ما نيط به حيث لا يجوز له أن يتمنى ما نيط بالآخر،
ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية كالجمال والعقل، إذ لا
فائدة في تمنيها لمن لم يعطها، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور
الكسبية، إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخر ويتمنى لنفسه مثله
وخيرا منه بالسعي والجد، كأنه يقول وجهوا أنظاركم إلى ما يقع تحت كسبكم ولا
توجهوها إلى ما ليس في استطاعتكم؛ فإنما الفضل بالأعمال الكسبية فلا تتمنوا شيئا