كبير، فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرا
واحدا عبر عنه بقوله:] وللرجال عليهن درجة [وهذه الدرجة مفسرة بقوله تعالى:
﴿الرجال قوامون على النساء﴾ (النساء: 34) الآية، وقد أحال في معرفة ما لهن
وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشرتهن ومعاملاتهم في أهليهن، وما
يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة
تعطي الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشؤون والأحوال، فإذا هم
بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس
رضي الله عنهما: (إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي) لهذه الآية.
وليس المراد بالمثل المثل لأعيان الأشياء؛ وإنما أراد أن الحقوق بينهما متبادلة
وأنهم أكفاء، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها إن لم يكن
مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما
أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلا منهما بشر تام له
عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره ما لا يلائمه وما
ينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر، ويتخذه عبدا يستذله
ويستخدمه في مصالحه، لا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة
التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه.
قال الأستاذ الإمام قدس الله روحه: هذه الدرجة التي رفع النساء إليها لم
يرفعهن إليها دين سابق، ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة من الأمم
قبل الإسلام ولا بعده، وهذه الأمم الأوربية التي كان من تقدمها في الحضارة
والمدنية أن بالغت في تكريم النساء واحترامهن، وعنيت بتربيتهن وتعليمهن العلوم
والفنون، لا تزال قوانين بعضها تمنع المرأة من حق التصرف في مالها بدون إذن
زوجها، وغير ذلك من الحقوق التي منحتها إياها الشريعة الإسلامية من نحو ثلاثة
عشر قرنا ونصف.
وقد كان النساء في أوربا منذ خمسين سنة بمنزلة الأرقاء في كل شيء، كما
كن في عهد الجاهلية عند العرب أو أسوأ حالا، ونحن لا نقول إن الدين المسيحي
أمرهم بذلك؛ لأننا نعتقد أن تعليم المسيح لم يخلص لهم كاملا سالما من الإضافات
والبدع، ومن المعروف أن ما كانوا عليه من الدين لم يرق المرأة؛ وإنما كان
ارتقاؤها من أثر المدنية الجديدة في القرن الماضي.
وقد صار هؤلاء الإفرنج الذين قصرت مدنيتهم عن شريعتنا في إعلاء شأن
النساء يفخرون علينا، بل يرموننا بالهمجية في معاملة النساء، ويزعم الجاهلون
منهم بالإسلام أن ما نحن عليه هو أثر ديننا. ذكر الأستاذ الإمام في الدرس أن أحد
السائحين من الإفرنج زاره في الأزهر وبينا هما ماران في المسجد رأى الإفرنجي
بنتا مارة فيه فبهت وقال ما هذا؟ أنثى تدخل الجامع، فقال له الإمام: وما وجه
الغرابة في ذلك؟ ، قال: إننا نعتقد أن الإسلام قرر أن النساء ليس لهن أرواح
وليس عليهن عبادة، فبين له غلطه وفسر له الآيات فيهن، قال: فانظروا كيف
صرنا حجة على ديننا؟ وإلى جهل هؤلاء الناس بالإسلام حتى مثل هذا الرجل
الذي هو رئيس لجمعية كبيرة [6] فما بالكم بعامتهم؟
إذا كان الله قد جعل للنساء على الرجال مثل ما لهم عليهن إلا ما ميزهم به من
الرياسة، فالواجب على الرجال بمقتضى كفالة الرياسة أن يعلموهن ما يمكنهن من
القيام بما يجب عليهن، ويجعل لهن في النفوس احتراما يعين على القيام بحقوقهن
ويسهل طريقه؛ فإن الإنسان بحكم الطبع يحترم من يراه مؤدبا عالما بما يجب عليه
عاملا به، ولا يسهل عليه أن يمتهنه أو يهينه، وإذا بدرت منه بادرة في حقه رجع
على نفسه باللائمة، فكان ذلك زاجرا له عن مثلها.
خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة في العبادات أو