المعاملات كما خاطب الرجال، وجعل لهن عليهم مثل ما جعله لهم عليهن، وقرن
أسماءهن بأسمائهم في آيات كثيرة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنات كما
بايع المؤمنين، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم، وأجمعت الأمة على ما
مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن في الدنيا والآخرة،
أفيجوز بعد هذا كله أن يحرمن من العلم بما عليهن من الواجبات والحقوق لربهن
وبعولتهن ولأولادهن ولذي القربى وللأمة والملة؟ .
العلم الإجمالي بما يطلب فعله شرط في توجه النفس إليه؛ إذ يستحيل أن تتوجه
إلى المجهول المطلق، والعلم التفصيلي به المبين لفائدة فعله ومضرة تركه يعد سببا
للعناية بفعله والتوقي من إهماله، فكيف يمكن للنساء أن يؤدين تلك الواجبات
والحقوق مع الجهل بها إجمالا وتفصيلا؟ وكيف تسعد في الدنيا أو الآخرة أمة
نصفها كالبهائم لا يؤدي ما يجب عليه لربه ولا لنفسه ولا للناس؟ والنصف الآخر
قريب من ذلك؛ لأنه لا يؤدي إلا قليلا مما يجب عليه من ذلك ويترك الباقي ومنه
إعانة ذلك النصف الضعيف على القيام بما يجب عليه أو إلزامه إياه بما له عليه من
السلطة والرياسة.
إن ما يجب أن تعلمه المرأة من عقائد دينها وآدابه وعباداته محدود؛ ولكن ما
يطلب منها لنظام بيتها وتربية أولادها ونحو ذلك من أمور الدنيا كأحكام المعاملات
- إن كانت في بيت غنى ونعمة - يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، كما
تختلف بحسب ذلك الواجب على الرجال، ألا ترى الفقهاء يوجبون على الرجل
النفقة والسكنى والخدمة اللائقة بحال المرأة؟ ألا ترى أن فروض الكفايات قد
اتسعت دائرتها، فبعد أن كان اتخاذ السيوف والرماح والقسي كافيا في الدفاع عن
الحوزة صار هذا الدفاع متوقفا على المدافع والبنادق والبوارج، وعلى علوم كثيرة
صارت واجبة اليوم ولم تكن واجبة ولا موجودة بالأمس؟ ألم تر أن تمريض
المرضى ومداواة الجرحى كان يسيرا على النساء في عصر النبي صلى الله عليه
وسلم وعصر الخلفاء رضي الله تعالى عنهم، وقد صار الآن متوقفا على تعلم فنون
متعددة وتربية خاصة؟ أي الأمرين أفضل في نظر الإسلام: أتمريض المرأة
لزوجها إذا هو مرض، أم اتخاذ ممرضة أجنبية تطلع على عورته وتكتشف مخبآت
بيته؟ وهل يتيسر للمرأة أن تمرض زوجها أو ولدها إذا كانت جاهلة بقانون
الصحة وبأسماء الأدوية؟ نعم يتيسر لكثير قتل مرضاهن بزيادة مقادير الأدوية
السامة أو بجعل دواء مكان آخر.
(وقد ذكرنا في التفسير هنا كلاما للمحدثين والفقهاء في حقوق كل من
الزوجين على الآخر كقول الأكثرين: إن المرأة لا يجب عليها للرجل غير الطاعة
في نفسها وحفظ نفسها وماله دون خدمة الدار، ورده بأمر النبي صلى الله عليه
وسلم بنته فاطمة بخدمة البيت وبأمر علي بما كان في خارجه، وجزم بعض
المحققين من الحنابلة أن ذلك يرجع إلى عرف الناس، ثم قلنا: وما قضى به النبي
صلى الله عليه وسلم بين بنته وربيبه وصهره عليهما السلام هو ما تقضي به فطرة
الله تعالى وهو توزيع الأعمال بين الزوجين: على المرأة تدبير المنزل والقيام
بالأعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، وهذا هو المماثلة بين الزوجين
في الجملة، وهو لا ينافي استعانة كل منهما بالخدم والأجراء عند الحاجة إلى ذلك مع
القدرة عليه، ولا مساعدة كل منهما للآخر في عمله إذا كانت هناك ضرورة؛ وإنما
ذلك هو الأصل والتقسيم الفطري الذي تقوم به مصلحة الناس وهم لا يستغنون في ذلك
ولا في غيره عن التعاون ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: 286)
﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله﴾ (المائدة:
2) .
وإذا أردت أن تعرف مسافة البعد بين ما يعمل أكثر المسلمين وما يعتقدون من
شريعتهم فانظر في معاملتهم لنسائهم تجدهم يظلمونهن بقدر الاستطاعة، لا يصد