أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل صلى الله عليه وسلم
الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي؛ ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس
إلى الآباء من شيء) تعني أنه ليس لهم إكراههن على التزوج بمن لا يرضينه.
وروى الترمذي من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا
خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد
كبير) رواه من حديث أبي حاتم المزني بلفظ: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه
فأنكحوه) ... إلخ ورواه أبو داود في المراسيل.
14- أركان الزوجية الفطرية في الإسلام
أرشد الله البشر بكتابه القرآن الحكيم إلى أن للحياة الزوجية ثلاثة أركان (أو
أقانيم) يجب عليهم تحريها فيها، وهي ما أشرنا إليه في صدر هذه الرسالة
وصدرناها بآيتها من قوله عز وجل: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا
لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} (الروم: 21) .
فالسكون النفسي الجنسي وهو الركن الأول من هذه الأركان خاص بالزوجين،
وهو تعبير بليغ عن شعور العشق واللذة والحب الذي يجده كل منهما باتصالهما،
والملابسة بإفضاء أحدهما إلى الآخر الذي به تتم إنسانيتهما فتكون منتجة أناسي
مثلهما، وبه يزول أعظم اضطراب فطري في القلب والعقل لا ترتاح النفس
وتطمئن في سريرتها بدونه.
وإنما تكون المحافظة على هذا الركن بما أرشد كتاب الله تعالى إليه من قصد
الإحصان في النكاح، وهو أن يقصد به كل من الزوجين إحصان الآخر، أي
إعفافه وحفظه من صرف داعية النسل الطبيعية إلى المسافحة أو اتخاذ الأخدان
لأجل اللذة فقط، وقصارى هذا الإحصان أن يقصر كل منهما هذا الاستمتاع على
الآخر ويقصد حكمته وسيلة النسل وحفظ النوع البشري على أسلم وجه وأفضله.
قال الله تعالى بعد بيان محرمات النكاح من سورة النساء: {وأحل لكم ما
وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن
أجورهن فريضة} (النساء: 24) الآية، ثم قال بعدها في نكاح الإماء:
{فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات
ولا متخذات أخدان} (النساء: 25) .
وقال في سورة المائدة: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب
حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا
الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} (المائدة: 5) .
والركن الثاني من أركان الزوجية المودة أي المحبة التي يظهر أثرها في
التعامل والتعاون وهو مشترك بين الزوجين وأسرة كل منهما. والركن الثالث الرحمة
التي لا تكمل للإنسان إلا بعواطف الأمومة والأبوة، ورحمتهما لأولادهما، فيكون لكل
البشر أو الأحياء حظ من هذه الرحمة الكاملة، إذا لم يكن فساد التربية والمعاشرة أو
تعاليم العداوات أو العصبيات بين البشر مفسدة لها، أو قاصرة لها على المشاركين في
القومية أو العقيدة أو الوطن، ومن تفكر في هذه الأركان الثلاثة حق التفكر علم أن
عليها مدار سعادة الزوجية التي هي جل سعادة الإنسانية، ولذلك قال تعالى بعد بيانها:
﴿إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ (الروم: 21) [5] .
15- المساواة بين الزوجين
ودرجة الرجال عليهن
إن الإصلاح الأكبر الذي جاء به الإسلام، ونزل به القرآن في شأن النساء هو
الآية (228) من سورة البقرة، فهذه الآية قد هدمت جميع ما كان من النظريات
والدعاوى والعادات والتقاليد التي يستبد بها الرجال الأقوياء ويستعلون على النساء
الضعيفات في أنفسهن وأموالهن وأولادهن، وقد فسرنا هذه الآية في الجزء الثاني من
تفسيرنا بما بينا به هذه الدرجة وننشر هنا ملخصه وهذا نصه:
﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ (البقرة: 228) .
هذه كلمة جليلة جدا جمعت على إيجازها ما لا يؤدى بالتفصيل إلا في سفر